تقرير اقتصادي: الاستيلاء على ثروات فنزويلا يضع الخليج أمام حتمية التحوط
● لا قواعد دبلوماسية للرئيس الأميركي ولا رادع له تجاه سيادة الدول أو ثرواتها
● الولايات المتحدة بدأت استيراد 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي فور سقوط مادورو
● أصوات متطرفة تعتبر تراكم الثروات السيادية الخليجية نتيجة سياسات احتكارية مدعاة للعقاب
بقدر ما هزّت العملية الأميركية المتعلقة باعتقال أو اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته العالَم كحدث استثنائي، فإنها أيضاً فتحت الباب أمام تساؤلات عديدة حول ما يمكن أن يكون حدوداً يُفترض احترامها بشأن سيادة الدول أو ثرواتها.
فلم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن نجاح عملية الاختطاف العسكرية لمادورو وزوجته، التي جاءت بسبب مُعلن هو الحرب على المخدرات التي تتساهل حكومة كاراكاس في تهريبها إلى الولايات المتحدة، حتى فتح ترامب ملف النفط قائلاً إن «واشنطن ستنخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي، وستكون لها الكلمة الفصل فيمن سيحكم فنزويلا».
في عالم يقوده ترامب لا يوجد ما يمنع اعتبار عدم الاعتراف أو التطبيع مع الصهاينة إرهاباً يستوجب التدخل الأميركي
احتياطيات وثروات
وفنزويلا هي أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات النفط المؤكدة بما يوازي خُمس الاحتياطيات العالمية تقريباً، إلى جانب أنها إحدى أكبر 10 دول في الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي، فضلاً عن ثروات معادن طبيعية بمئات المليارات من الدولارات معروفة بكنوز «قوس أورينوكو» غير المستغلة، وهي منطقة جيولوجية غنية بالمعادن كالذهب والحديد والبوكسيت (الألمنيوم) والكولتان (أساسي لصناعة الإلكترونيات) والنيكل والفوسفات... ومعظم هذه الثروات إمّا غير مستغلة أو تتعرّض لتعدين خارج نطاق القانون.
وربما يحتاج ملف فنزويلا لنقاشات أوسع بشأن مدى جودة حكوماتها، خصوصاً في عهد تشافيز ومادورو الممتد منذ 26 عاماً في إدارة ثروات البلاد، أو مدى أثر العقوبات الأميركية في تخلّفها الاقتصادي.
لكن ما يهمنا - كدول خليجية أو الكويت تحديداً - هو مدى القدرة على التعامل مع وضع عالمي يقوم فيه رئيس أكبر دولة في العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بالتعدي على سيادة الدول والاستيلاء على ثرواتها!
إلى الأخطر
فقد تجاوز ترامب، خلال أشهر قليلة، مسألة عدم التمييز بين جيرانه أو حلفائه أو خصومه أو توسُّعه في الحرب التجارية من الصين إلى العالم أجمع إلى ما هو أخطر وأسوأ، إذ استولى على نصف ثروات أوكرانيا من المعادن في صفقة عنوانها تعويض الولايات المتحدة عمّا تحمّلته من تكاليف دعم كييف في حربها مع روسيا.
وجاءت العملية ضد فنزويلا تحت عنوان الحرب ضد المخدرات والأسلحة، ليعلن فور اختطاف مادورو ما أسماه مشروع «تعويض أميركا عن نفطها المسروق في فنزويلا»، ثم طالب بضم جزيرة غرينلاند من الدنمارك إلى الولايات المتحدة «... إنها ذات أهمية استراتيجية بالغة في الوقت الراهن».
وكل ما سبق سياسات عدوانية من الحصافة وضع احتمالية استخدامها بصيغ «ترامب المتعددة» التي لا تعترف كثيراً بالقانون الدولي، أو على سيادة دول مجلس التعاون الخليجي أو ثرواتها النفطية أو أصولها السيادية، وهذه الأخيرة يستثمر أكثر من نصفها في الولايات المتحدة.
على دول مجلس التعاون استثمار الموقع الاستراتيجي والثروات النفطية والسيادية في تعظيم استدامتها
أصوات متطرفة
فثمّة أصوات متطرفة في الولايات المتحدة والغرب عموماً تعتبر أن تراكم الثروات السيادية الخليجية جاء نتيجة سياسات احتكارية من منظمة «أوبك» تحكمت عقوداً طويلة بالعرض والطلب والأسعار والكميات في السوق بالتالي، أو تريد أن تحمّل منتجي النفط، لا سيما الخليجيين، فاتورة التغيّر المناخي، أو تعيد استخدام تصريحات وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك المغلوطة التي أطلقها العام الماضي حول «تحمُّل أميركا تكاليف عملية تحرير الكويت» وعدم استفادتها في المقابل من ذلك الدور، فضلاً عن فرض مفاهيم معيّنة كاعتبار عدم الاعتراف أو التطبيع مع الصهاينة إرهاباً يستوجب التدخل الأميركي.
ماذا عن الأسعار؟
صحيح أن فنزويلا الغنية بالنفط تحتاج إلى سنوات لإعادة تشغيل البنية التحتية المرتبطة بالطاقة ورفع الإنتاج الحالي الذي لا يتجاوز مليون برميل يومياً، نصفه موجّه للاستهلاك المحلي، فضلا عن الجودة المنخفضة للنفط الفنزويلي ومصاعب الاستخراج، كلها فرضيات تدعم مسألة عدم إغراق أسواق الطاقة بكميات كبيرة من النفط بالتالي للمحافظة على أسعار برميل النفط عند مستوياته الحالية، إلّا أنه أيضاً يجب عدم إغفال مسألة خبرة وتكنولوجيا الشركات الأميركية مثل شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس في خفض تكاليف إنتاج النفط الصخري قبل نحو 15 عاماً، إذ تراجعت تكاليف الاستخراج من 90 إلى 40 دولاراً في بعض المناطق، وهي فرضية تنطبق على تطوّر تكنولوجيا التكرير في التعامل مع النفوط غير النظيفة أو مرتفعة الشوائب، مما يشير إلى إمكانية أن يأخذ البرميل الفنزويلي حصة معيّنة في سوق النفط الذي يواجه محاذير التخمة في المعروض، بحيث يزيد الضغط على إيرادات منتجي النفط، لا سيما الخليجيين.
وسريعاً أعلن الرئيس ترامب، أمس، أن الحكومة الفنزويلية، بقيادة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، مستعدة لتسليم الولايات المتحدة ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط لبيعها في السوق الأميركية، واصفا هذه الكمية من النفط بأنها «نفط عالي الجودة، مرخص في الولايات المتحدة».
خبرة وتكنولوجيا الشركات الأميركية ستساهم في تسريع إصلاح بنية الطاقة التحتية في فنزويلا
ما العمل؟
في ظل هذه الفرضيات والأوضاع يطرح السؤال نفسه: ما الذي يجب على دول الخليج العربية أن تفعله كي تخفّف أو تطوّق أي رد فعل غير متوقع من ترامب أو الأصوات اليمينية، وكلها ليست لديه قيود أو قواعد أو رادع تجاه ثروات الدول وسيادتها؟
في الحقيقة، لا يوجد حل واضح أو وصفة دواء ثابتة للتعامل مع دولة عظمى يقودها رئيس لا يبالي بالاستيلاء العلني على ثروة أي بلد، إلا أن هذا لا يمنع من اتخاذ سياسات أو إجراءات بهدف تنويع التحالفات والتبادل التجاري مع أوروبا والصين والاستثمار الجغرافي داخل مناطق الإقليم الخليجي، فضلاً عن تحسين آليات الإدارة التي تضمن حوكمة إدارة الثروات وشفافيتها، إلى جانب ضرورة وجود لوبي خليجي في الإعلام ومراكز القرار الغربية لبيان دور «أوبك» في أمن الطاقة العالمي وسدّ الذرائع التي يمكن أن تكون بوابة للضغط أو الحملات، خصوصاً تجاه الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمالة.
لكن كل ما سبق لن يكون له أثر ما لم تضع دول مجلس التعاون خلافاتها جانباً، وتتجه نحو تشابك المصالح الاقتصادية فيما بينها، بحيث تكون منطقة فاعلة وسط العالم في تقديم الخدمات والتجارة، وتستثمر الموقع الاستراتيجي والثروات النفطية والسيادية في تعظيم استدامتها.