انهيار الشرعية الدولية... وسيادة الدول
سقوط الشرعية الدولية تم منذ اليوم الأول لتأسيس الأمم المتحدة، ولم تسقط أخيراً مع حدث اعتقال أميركا لرئيس فنزويلا في بلده، وفي وضح النهار، وأمام مرأى ومسمع العالم أجمع.
فسقوط الشرعية الدولية تم مع نَفَس ومغزى إقامة الأمم المتحدة (وهي مبادرة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية)، وعلى رأسها أميركا، حيث تم بناء نظام دولي مفصّل على مقاس ومصالح الدول المنتصرة بتلك الحرب، ومن ثم تدحرج، من خلال ما سُمّيت منظومة دولية، ذلك الكيان المسخ المسمى مجلس الأمن، لكونه أهم وأقوى مؤسسات الأمم المتحدة، والذي أوقف النظام العالمي برمّته على إرادة خمس دول دائمة العضوية، وهي فعلياً مختزلة بدولة واحدة هي أميركا، باعتبار أن إدارة النفوذ العالمي في مكنته الحقيقية بيد أميركا، مع هامش ضئيل متاح لروسيا والصين حتى اليوم، وإلى أن تتغير المعادلة القطبية.
وتعتبر حالة الكيان الصهيوني اللقيط و»المارق» على القانون الدولي والشرعية الدولية، والمحاط بموانع قوة واقعية تحول دون خضوعه لقرارات مجلس الأمن، بسبب تحصينه المباشر من قبل أميركا بتوظيف حق النقض (الفيتو) - وقبل ذلك وبعده القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية لأميركا - لتعطيل وتوقيف ومنع نفاذ قرارات مجلس الأمن الدولي، ذلك الكيان المسخ الذي غدا بلا سلطات ولا آليات لنفاذ قراراته دون إرادة دولة واحدة، هي أميركا.
إن القضية الفلسطينية صدرت بشأنها منذ عام 1948 عدة قرارات من مجلس الأمن، منها القرار 194 (1948)، و242 (1967)، و2334 (2016)، و2712 (2023)، وغيرها الكثير.
ولا بُد هنا أن نشير - على الأخص - إلى القرار 242 عام 1967 وما بعده، حيث بلغت قرارات مجلس الأمن في شأن الحالة الفلسطينية عشرات القرارات، جميعها صدرت ميتةً لتبقى حبراً على ورق، قيمتها لا تتعدى قيمة ورق مناديل الحمامات، لكونها منزوعة القوة والقيمة وإمكانية النفاذ، بسبب إرادة دولة واحدة هي أميركا.
وأمام حالة العدوان المستمرة والتعدي على حقوق الفلسطينيين ليل نهار باعتقالات باطلة وتمييز عنصر وتطهير عرقي وحصار وتجويع وتعذيب المعتقلين وقتلهم، وإقامة مستوطنات في الضفة والقدس وأرجاء مختلفة من فلسطين خلافاً لميثاق الأمم الميتة (المسماة المتحدة)، وأمام كل الانتهاكات والجرائم المستمرة، والتي شهدها العالم بالصوت والصورة في الحرب على غزة، رغم كل ذلك تقف مظلة القوة الأميركية سداً منيعاً لكسر قرارات الشرعية الدولية وتعطيلها بدم بارد وتقصُّد فاضح، وهو ما جعل الشرعية الدولية والأمم المتحدة بلا قيمة تذكر، بل لقد تم إيقاع عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام، لأنهما أصدرا مذكرة قبض وتوقيف بحق مجرم الحرب ومرتكب الجرائم ضد الإنسانية «النتن ياهو»!
وقد أفضى ذلك جميعه لانهيار الشرعية الدولية منذ إنشاء الأمم المتحدة، وذهبت سيادة الدول وحقوقها أدراج الرياح، وحالة فنزويلا نموذج واضح لذلك المنطق الذي لا يعترف بالشرعية الدولية، بل بالقوة والقوة وحدها، وهو ما نشهده كل يوم!