ازدواجية العدالة الدولية

نشر في 07-01-2026
آخر تحديث 06-01-2026 | 18:57
 يعقوب عادل البشير

أعاد الإعلان المتداول عن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فتح ملفٍ شائك ظلَّ مؤجَّلاً طويلاً في النظام الدولي، يتعلق بحدود السيادة، وانتقائية تطبيق القانون الدولي، والدور الحقيقي الذي تُمارسه القوى الكبرى عندما تتعارض القواعد مع المصالح.

فبعيداً عن الجدل القانوني حول الإجراءات والمسارات، فإن حدوث عملية اعتقال لرئيس دولة ذات سيادة، أو الإعلان عنها بوصفها أمراً واقعاً، يمثل تطوراً بالغ الخطورة في العلاقات الدولية، ويُؤسس لسابقة قد تُعيد تعريف العلاقة بين الدول القوية والدول الأضعف، وفق منطق «الشرطي الدولي» لا وفق مبدأ السيادة المتساوية.

هذا المشهد ليس جديداً بالكامل. ففي عام 1989، أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال رئيس بنما مانويل نورييغا، ونقله لمحاكمته داخل أراضيها، في خطوة شكَّلت، آنذاك، خرقاً صريحاً لمبدأ السيادة، جرى تبريره بعناوين «مكافحة المخدرات» و«حماية الأمن القومي». تلك السابقة لم تكن استثناءً عابراً، بل كانت نموذجاً مبكراً لتقدُّم منطق القوة على قواعد القانون الدولي متى تعارضت مع المصالح الاستراتيجية.

وتُظهر التجربة الدولية أن الأزمات والتحوُّلات الكبرى غالباً ما تُستخدم غطاءً لتجاوز القواعد. فالقانون الدولي، في التطبيق العملي، لا يُلغى دفعة واحدة، بل يُفرَّغ تدريجياً من مضمونه عبر ممارسات استثنائية تتحوَّل مع الوقت إلى سلوكٍ طبيعي.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن موقعها بمعادلة الطاقة العالمية. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتقع خارج «بيت الطاعة» الأميركي، كما ترتبط بتحالفات مع قوى تنافس النفوذ الغربي، في لحظةٍ دولية حساسة تتقدَّم فيها اعتبارات أمن الطاقة إلى صدارة الأولويات الأميركية والأوروبية.

أما على المستوى الدولي الأوسع، فإن مثل هذه الخطوات- أو حتى الإعلان عنها- لا تضر خصوم واشنطن بقدر ما تخدمهم. فالصين وروسيا تُراقبان كيف تُكسَر قواعد السيادة وعدم التدخل على يد مَنْ صاغها، ما يُضعف الخطاب الغربي، ويقلِّص قدرته الأخلاقية على مساءلة الآخرين مستقبلاً.

الخلاصة أن ما قد يبدو لواشنطن حسماً أو نصراً تكتيكياً سريعاً، قد يتحوَّل إلى خسارةٍ استراتيجية طويلة المدى. فالعدالة الدولية لا تنهار عندما تُنتهك مرة، بل عندما تُطبَّق بانتقائية. وعندها، لا يعود النظام الدولي قائماً على القواعد، بل على ميزان القوة وحده.

*أكاديمي في قسم العلوم السياسية– جامعة الكويت

back to top