الأغلبية الصامتة: لا تكن «بورغ»
لا أخفي اهتمامي بالأعمال المتعلقة بالخيال العلمي (أفلام، مسلسلات، روايات)، فهي دوماً كانت بالنسبة لي وفي أنواع محددة قراءة مبكرة ومحفزة لمستقبل قريب مليء بالمخاطر، وربما دمار البشرية بأسرها، أو عملية هروب ذكية بتوظيف الحديث عن عالم غير موجود، والمقصود هو عالم حقيقي لا نستطيع الحديث عنه مباشرة، وأخيراً التنبيه لقضايا البيئة ومصير العالم وهذه تعتبر من المواضيع المعاصرة.
الجميل في بعض أفلام الخيال العلمي أن مصدرها هو روايات بعضها صدر في أربعينيات القرن الماضي، مثل The Day the Earth Stood Still، وهذا الفيلم صدرت منه نسختان، الأولى عام 1951 والثانية وهي الأفضل عام 2008، من بطولة كيانو ريفز، ودون الخوض في التفاصيل يلخص الفيلم فكرة أن الأرض مراقبة من قوى خفية، ولأن البشر عاثوا في الأرض فساداً وتخريباً، فقد حان الوقت لإنقاذها من البشر أنفسهم وعمل «فورمات» كامل.
الأمثلة والإسقاطات كثيرة ولا حصر، ولكن هناك نوعية من أفلام الخيال العلمي لامست مبكراً مخاطر الذكاء الاصطناعي والاعتماد على الآلات، ونشرت الوعي الجمعي بتلك المخاطر، مثل Terminator وThe Matrix، واليوم نحن نتداول ونضحك على ما يتم تصنيعه من قبل الذكاء الاصطناعي من مقاطع وتراكيب وتجسيدات خيالية، وبنفس الوقت نقول ونردد إلى أين نحن ذاهبون وتلك التقنيات والأجهزة تتولى مهام التفكير نيابة عنا.
ما سبق كان مثل بعض أفلام الخيال العلمي تتحدث عن شيء والقصد شيء آخر، لقد قامت ذاكرتي منذ مدة طويلة بتجميع بعض المشاهد القديمة والأفكار المنسية ووضعتها في قالب واحد، ووجدت مشهدين متطابقين الأول هو مخلوقات «البورغ» التي ظهرت في مسلسلات وأفلام «ستار تريك» الشهيرة، وبين بعض مخلوقات البشر في مجتمعات «التوجيه والاستجابة».
مخلوقات البورغ في عالم «ستار تريك»، وهي نصف آلة ونصف أنسجة حية، تعتبر هي الأكثر خطراً ورعباً لكل المخلوقات الأخرى ليس لأنها تقتل وتدمر، ولكنها «تستوعب» العقول وتجندها في قالب واحد، وبمجرد حدوث اللمسة الأولى من البورغ يتم إلغاء وجود الطرف الثاني كفرد، وامتصاص كل ذاكرته إلى العقل الجمعي، وبسبب ذلك تمكن البورغ من ابتلاع حضارات كاملة وصولاً إلى «الكمال».
وبالرغم من نظامهم الجمعي يخضع البورغ لأوامر «الملكة» التي تقوم بمهام الإدارة والتوجيه لكل المتصلين على الشبكة الذهنية، وهنا بيت القصيد، لقد رأيت وعاينت في عالم البشر كيف تنتقل مفردات العقل الجمعي إلى ألسنة أجزائه مهما كانت صغيرة أو لا توجد لديها علاقة مباشرة معه، ولكنها تجتهد في النقل والترديد، وبعضها مع الأسف الشديد ليس مرغماً كحال من ابتلعه البورغ، ولكن هناك من يسعى ويقاتل لأن يدخل الشبكة الذهنية ويكون في طوع الملكة.
في الختام لقد خلقنا الله أفراداً وسنحاسب أفراداً وسنحشر أفراداً فلا تكن «بورغ».