فنزويلا... الاستقرار مقابل الموارد!
ينطلق عام 2026 على وتيرةٍ متصاعدة من الأزمات الإقليمية والعالمية، التي تتقاطع فيها المصالح الكبرى فوق خرائط النار والطاقة والنفط والشرائح الإلكترونية. وفي هذا السياق، لا يقبل الرئيس الأميركي إلا أن يقدِّم نفسه مجدداً كلاعبٍ رئيسي- وربما وحيد- متمسكاً بصفة «التاجر المغامر» الذي يتعامل مع السياسة الدولية بمنطق الصفقة، لا بمنطق القِيم المرسخة في علاقات الدول والقانون الدولي. تصريحاته المعلنة، والمُربكة لحلفائه وخصومه- على حدٍّ سواء- حول القضايا العالمية الكبرى، وحول فنزويلا، وأوكرانيا، وإيران، والكيان الإسرائيلي، والصين، لا يمكن قراءتها بوصفها مقاطع متفرِّقة، بل باعتبارها خريطة واحدة لعالمٍ يُريد إعادة تشكيله وفق معادلة: السلام بالقوة، وهي الأرجح: الاستقرار مقابل الموارد.
يبدو أن الرئيس الأميركي يفرض على روسيا معادلة قاسية مفادها: فنزويلا (الحديقة الخلفية) مقابل أوكرانيا (غابة القتال)، مُعيداً إنتاج منطق مناطق النفوذ الكلاسيكي. وهنا لا تُرى الدول كشعوبٍ ذات سيادة، بل كمساحات للاستثمار أو ساحات للصراع. فنزويلا، بما تختزنه من نفط، تُختزل إلى حديقة آمنة ومنتجة لأميركا، فيما تتحوَّل أوكرانيا إلى غابة يُسمح فيها بالاقتتال، ما دام ذلك يخدم ميزان القوى ويُرهق الخصوم. وهنا أيضاً تتبلور رسالته الواضحة إلى الصين، بما يكرِّس صِراع السيطرة على النفط وإنتاج الشرائح الإلكترونية، وهذه الأخيرة باتت سلاحاً استراتيجياً لا يقل خطورةً عن النفط. وترامب هنا يحاول ضبط ميزان التفوق التكنولوجي العالمي. في خطابه لإيران، يربط الشرق الأوسط والنفط وسلامة النظام الإيراني بالتعاون «الحقيقي» معه. هذه الصيغة تكشف عقلية التفاوض السياسي بنفس تجاري: الأمن مقابل النفط، والاستقرار مقابل التنازل. وهذا منطق يُبنى على فكرة الضغط الأقصى والأقسى من كل سياسات الحصار. وفي السياق نفسه، حين يوجِّه ترامب كلامه إلى الكيان الإسرائيلي يضع نفسه «المثال الأعلى»، مؤكداً استمرار التحالف غير المشروط، مما يكرِّس الكيان ذراعاً متقدمة لمشروع الهيمنة في الشرق الأوسط، ومحاولات إعادة رسم المنطقة سياسياً وأمنياً، بما يضمن السيطرة على الممرات الاستراتيجية والطاقة والأسواق.
وبوجهٍ عام، يوجِّه ترامب في تصعيده الفنزويلي رسالةً لكل دول العالم، عنوانها العريض: «المخزون النفطي بيدي»، مما يُكرِّس منطق السيطرة الاقتصادية الشاملة، حيث تُصبح الطاقة أداة ضغط سياسي، وتتحوَّل الأسواق إلى رهانٍ بيد العم سام.
هذه الخريطة الترامبية ليست مجرَّد خطابٍ انتخابي أو شعبوي، بل رؤية لعالمٍ مُوحش ينبثق القرار فيه من دفتر حسابات تتحوَّل فيه الشعوب إلى أرقام واحتياطات.