بالمختصر: الجريمة بين التاريخ والإعلام: من 1911 إلى 2025

نشر في 04-01-2026
آخر تحديث 03-01-2026 | 18:09
 د. فهد إبراهيم الدوسري

لم تفق أوروبا إلى الآن من سرقة اللوفر الأخيرة في باريس، حتى اهتزّت ألمانيا قبل نهاية عام 2025 على وقع واحدة من أكبر سرقات البنوك في تاريخها الحديث، حين نجح مجرمون محترفون في اقتحام خزائن بنك سباركاسه في مدينة غيلسنكيرشن بطريقة تشبه حبكات أفلام السطو. التفاصيل الأمنية تشير إلى أن العصابة استغلت هدوء عطلة عيد الميلاد، وعمدت إلى دخول البنك عبر مرآب سيارات مجاور، ثم استخدمت مثقاباً كبيراً لحفر ثقب في جدار خرساني سميك يقود إلى القبو الذي يحتوي على آلاف صناديق الأمانات. 

اكتُشفت السرقة صباح 29 ديسمبر، عندما أطلق إنذار الحريق داخل البنك، ليجد رجال الشرطة فجوة في الجدار وخزائن مقفلة تم فتحها، مما أدى إلى سرقة نحو 3000 صندوق أمانات، وتأثر حوالي 2700 عميل من ودائعهم وأموالهم الثمينة، بما يقدر بما بين 10 و90 مليون يورو في قيمة المسروقات. وهو رقم قريب من سرقة مجوهرات اللوفر. وقد أظهرت لقطات فيديو من مرآب السيارات أشخاصاً ملثمين يغادرون المكان بسيارة مسروقة، بينما لا يزال الجناة هاربين وشرطة غيلسنكيرشن تبحث عنهم. هذه الحادثة تُشبه في آليتها ما شاهده الجمهور في أفلام السطو، من التخطيط الدقيق إلى تنفيذ الاختراق عبر جدار محصَّن، وهي آلية تتكرر عبر التاريخ. 

في الكويت مثلاً، تشير السجلات إلى أن قضايا سرقة كبيرة بدأت منذ عام 1911، حيث اعتمدت الجرائم على الالتفاف على نظام الحراسة الظاهر دون مواجهته بشكل مباشر. وفي 1979 و1983، تكررت نفس القواعد: استغلال نقاط ضعف غير متوقعة في البنية الأمنية والسرقة بنفس الآلية (فتحات في السقف أو الجدران). ليس من قبيل الصدفة أن الفن والإعلام يلعبان دوراً مهماً في تشكيل الوعي العام حول الجريمة، فالفيلم الكلاسيكي المصري عام 1968 «لصوص لكن ظرفاء»، بطولة أحمد مظهر- عادل إمام- الضيف أحمد- ماري منيب، مثّل الجريمة في صورة كوميدية ذكية، محوّلاً المفهوم من فعل صرف إلى مشهد فكري يتمحور حول التخطيط والتحايل. 

كم تتشابه هذه السرقة كذلك مع سيناريو فيلم Ocean 11 الأميركي، من تمثيل جورج كلوني وفريق من 11 لصاً من الممثلين، أنتج عام 2001، حيث قاموا بسرقة كازينو للقمار في لاس فيغاس. وهذا الفيلم يحاكي آخر بنفس العنوان أنتج عام 1960، وهذا لا يعني أن الفن يحرض على الجريمة، لكنه قد يعيد صياغة الفعل في ذهن المشاهد، بحيث يصبح التركيز على مهارة التنفيذ بدلاً من خطورة الفعل ذاته. 

أما اليوم، مع دخول الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الجنائية، فإن التحدي ليس فقط في تحليل الأدلة، بل في التفريق بين فكرة الجريمة وصورتها الإعلامية، وطرح السؤال الصحيح قبل أن يبحث النظام عن الإجابة. فالتحقيق الحديث يستفيد من إعادة بناء الظرف الزمني والمكاني وتتبُّع الأنماط المتكررة، إلا أن التاريخ نفسه يصبح أداة كشف إذا ما قرأه المحقق بعين مدركة للسياق الإنساني الإعلامي والاجتماعي... دمتم بود.

back to top