قراءة هوبزية في النظام الدولي الراهن
العالم اليوم يبدو أكثر فوضى، في سياق يتسم بتزايد حالات العنف والنزاعات التي يعرفها العديد من المناطق في العالم، بداية بالحرب الروسية الأوكرانية، التي عرت عن هشاشة قواعد القانون الدولي، وحولت أمن الحبوب والطاقة إلى ورم دولي يهدد اقتصاديات دول الجنوب، ثم الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، التي تحولت إلى أزمة إنسانية أعادت إنتاج فضاء دولي يهيمن عليه منطق القوة خارج أي إطار للقانون أو التفاوض، وما الأعداد الهائلة للضحايا والنازحين من النساء والأطفال واستخدام سلاح التجويع إلا دلالة رمزية على غياب أي اعتبار أو احترام للضوابط والمبادئ القانونية في إدارة النزاعات، مروراً بالصراعات السياسية والانقلابات العسكرية التي تشهدها إفريقيا جنوب الصحراء منذ 2020، التي لم تعد أحداثاً منفردة بل أضحت نماذج متكررة في مجموعة من الدول الإفريقية التي تعاني اضطرابات مختلفة، تكرس مجتمع الفوضى.
وصولاً إلى التحديات الأمنية الجديدة، كقضية التغير المناخي وانتشار الأوبئة والفيروسات، (جائحة كوفيد 19، الملاريا، الحصبة...)، مما شكل جبهات استغلال حديثة لمنطق القوة، بتزايد ظاهرة الهجرة والنزوح الجماعي وانعدام الأمن الغدائي، وطبعاً هي كلها عوامل تدعم هيمنة القوة وتهميش دور المؤسسات الدولية المشتركة.
هذا يقودنا إلى استنتاج محوري، أنه رغم أن النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة قد أنتج هياكله وقواعده المبنية على التعددية القانونية والتدابير المؤسسية (منظمة الأمم المتحدة، المحاكم الدولية...)، إلا أن هذا النظام يشهد الآن تآكلاً واضحاً في بنيته لمصلحة منطق التحالفات الاستراتيجية والاستقطاب، فقد تأثرت أدوار منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها وضعف نفوذها السياسي والإنساني، مما جعل من القانون الدولي مرجعية رمزية أكثر منه، كأداة لنفاذ سلطة القانون.
في الواقع المعاصر، تظهر سمات النظام الدولي تتقاطع مع مفهوم حالة الطبيعة لدى «هوبز»، حيث لا توجد سلطة مركزية تنظم العلاقات بين الفاعلين والتصرفات القانونية، فيسود ما يعرف بـ «حرب الجميع ضد الجميع»، في هذه الحالة تحرك الدول المصلحة الذاتية والرغبة في الأمن، مما يولد خوفاً دائماً وصراعاً متبادلاً، في هذا السياق تظهر الدول سلوكاً هوبزياً متمثلاً في السعي لتجميع القوة وتطوير القدرات العسكرية، والدخول في التحالفات الاستراتيجية، تعدّ ردود فعل على التهديدات التي تراها في زيادة قوة أو استقلال فاعلين آخرين، معتقدة أن كل تحرك لتعزيز أمنها يمكن أن يفسر من جانب الدول الأخرى كتهديد لها.
هكذا، وعلى الرغم من وجود مؤسسات دولية وقوانين وأطر متعددة لتعزيز التعاون، فإن منطق الواقعية السياسية القائم على المصلحة والقوة، ما زال يحكم سلوك الفاعلين الدوليين بشكل كبير، هذا ما يجعل فكرة هوبز حول «حالة الطبيعة» إطاراً تحليلياً ملائماً لفهم التوترات والصراعات الدولية الراهنة، إلا أن هذا التصور، بالرغم من أهميته، يحتاج إلى مراجعة تأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي طرأت على النظام الدولي، سواء من حيث تشابك المصالح الاقتصادية أو تصاعد الاعتبارات الإنسانية أو تأثير الابتكارات التكنولوجية في العلاقات بين الدول.
كل ذلك يدفعنا إلى القول بأننا نعيش اليوم في مرحلة تُوَلد فيها النزاعات مجدداً «حالة الطبيعة» الهوبزية في سياق دولي، تعرف فيه قواعد القانون الدولي تراجعاً وإقصاء مقلقاً لصالح اللاشرعية القانونية.