مقاربة قانونية للسيادة الرقمية في العصر الرقمي

نشر في 29-12-2025
آخر تحديث 28-12-2025 | 19:28
 د. بلال عقل الصنديد

لم تعد السيادة مقتصرة على الحدود الجغرافية والسيطرة التقليدية على الأراضي والمواطنين، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي بكل مكوناته: البيانات، والمعلومات، والبنية التحتية الرقمية، والتطبيقات التي تتحكم فيها شركات عالمية متعددة الجنسيات. 

ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف السيادة الرقمية قانونياً بأنها قدرة الدولة على وضع وتنفيذ القواعد التي تنظم الفضاء الرقمي داخل حدودها، وضمان حماية الأمن القومي، والخصوصية، والمعاملات الاقتصادية للمواطنين. 

وتتجلى السيادة الرقمية في ثلاثة أبعاد رئيسية:

 1ــ البعد التشريعي والتنظيمي: يشمل القدرة على إصدار قوانين تحكم جمع البيانات ومعالجتها، وحماية الخصوصية، وضبط التجارة الرقمية. مثال ذلك، اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي. 

2ــ البعد الأمني والسيبراني: يتعلق بحماية البنية التحتية الرقمية الوطنية من الهجمات الإلكترونية، ومنع استخدام البيانات والمعلومات بشكل يضر بالأمن الوطني. ويشمل ذلك تشريع العقوبات على الجرائم الرقمية، وتحديد المسؤوليات القانونية للشركات والأفراد في حالة الاختراقات.

 3ــ البعد الاقتصادي والتقني: يتصل بالقدرة على إدارة البيانات الوطنية، وحماية الأسواق الرقمية المحلية من هيمنة المنصات العالمية، وضمان استفادة الدولة من القيمة الاقتصادية للبيانات والمعلومات. ويشمل ذلك الاستثمار في مراكز البيانات الوطنية، وتطوير شبكات الجيل الخامس، واستخدام الذكاء الاصطناعي لضمان استقلالية القرار الرقمي. 

أمام هذا الواقع تواجه المقاربة القانونية للسيادة الرقمية تحديات حقيقية، تتجلى بشكل بارز في سيطرة شركات عالمية على المنصات الرقمية، ما يجعل تطبيق القوانين الوطنية وفرض الرقابة وتحميل المسؤولية صعباً خارج حدود الدولة، خصوصاً فيما يتعلق بالبيانات الشخصية وحماية حقوق المستخدمين. 

وهذا ما يرتبط بما يمكن تسميته بالعولمة الرقمية المتمثلة بحركة البيانات والمعاملات عبر الحدود بما يتجاوز القدرة التقليدية للدولة على التنظيم والضبط. هذا الواقع، يقود الى التأكيد على أن السيادة بمفهومها المعاصر، لم تعد مجرد حماية للمصالح الوطنية التقليدية، بل أبرزت واجب الدولة في ضمان حقوق المواطنين الرقمية وحماية الاقتصاد الوطني العابر للحدود. وهذا ما يفرض توقيع اتفاقيات تعاون دولية، وتعاون دولي مع مؤسسات دولية معنية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بما يساعد في تطوير أطر قانونية مشتركة تحمي الأمن الرقمي وتوازن بين النفوذ الدولي والسيادة الوطنية.

 خلاصة القول، إن السيادة الرقمية من منظور قانوني تمثل مزيجاً متكاملاً من التشريع الوطني، والأمن السيبراني، والاستثمار في التكنولوجيا المحلية، وهي عنصر أساسي لضمان استقرار الدولة وحماية المواطنين. 

 ومن أجل تعزيز هذا المفهوم، يتعين على الدول العربية والكويت تحديث الأطر القانونية لتغطية كل جوانب الفضاء الرقمي، بما في ذلك حماية البيانات الشخصية والمعاملات الإلكترونية، ووضع قوانين صارمة ضد الجرائم السيبرانية والاختراقات. 

كما يجب تطوير البنية التحتية الرقمية من خلال إنشاء مراكز بيانات وطنية متقدمة، وتعزيز شبكات الاتصالات عالية السرعة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لضمان استقلالية القرار الرقمي. 

ومن الأهمية بمكان الاستثمار في التعليم الرقمي وتدريب الكوادر الوطنية على إدارة الأمن السيبراني، فضلاً عن تشجيع الابتكار المحلي في التطبيقات والخدمات الرقمية. إضافة إلى ذلك، ينبغي توقيع اتفاقيات تعاون إقليمي ودولي لتنظيم حركة البيانات العابرة للحدود، وضمان استدامة الاقتصاد الرقمي، وتحقيق توازن فعّال بين النفوذ الدولي والسيادة الوطنية، بما يتيح للدولة حماية مصالحها وتعزيز مكانتها على الساحة الرقمية العالمية.

 

back to top