تحديات جديدة تواجه المحكمة الجنائية الدولية

نشر في 26-12-2025
آخر تحديث 25-12-2025 | 17:59
 د. محمد أمين الميداني ​كان اعتماد نظام المحكمة الجنائية الدولية، بتاريخ 17/ 7/ 1998، خطوة مهمة وأساسية في مجال القانون الدولي الجنائي، وفي سبيل تحقيق العدالة الجنائية الدولية، وبغرض محاكمة المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.
​دخل نظام المحكمة الجنائية الدولية حيِّز النفاذ في 1/ 7/ 2002، وصادقت عليه 125 دولة، من بينها خمس دولٍ عربية، هي: الأردن، وتونس، وجيبوتي، وجزر القمر، وفلسطين. ووقَّعت على نظام المحكمة عشر دولٍ عربية، هي: الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والجزائر، وسورية، والسودان، وعُمان، والكويت، ومصر، والمغرب، واليمن.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك إسرائيل، من الدول التي أعلنت مراراً وتكراراً مُعاداتها لهذه المحكمة، بل شن حربٍ عليها، خصوصاً بعد مذكرتَي الاعتقال الصادرتين عن المدعي العام للمحكمة في 21/ 11/ 2024 بخصوص رئيس وزراء إسرائيل، ووزير حربه السابق.
​كان ولا يزال جلياً مُعاداة الولايات المتحدة الأميركية للمحكمة الجنائية الدولية، لكن الإدارة الأميركية الحالية ذهبت إلى مدى أبعد، وبدأت بفرض العقوبات على المدعي العام للمحكمة، كما فرضت عقوبات على قضاة المحكمة، ومن بينهم القاضي الفرنسي، واستنكرت فرنسا هذا الموقف، واعتبرت أن العقوبات الأميركية «تتعارض مع مبدأ استقلال القضاء». ورفضت الحكومة الهولندية، والتي يقع مقر المحكمة في إحدى مُدنها (لاهاي)، العقوبات الأميركية على مسؤولي وقضاة المحكمة الجنائية الدولية. وقامت المحكمة بدورها باستنكار ورفض هذه العقوبات، وخاصة العقوبات التي فُرضت أخيراً على قاضيين فيها. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه البالغ بخصوص هذه العقوبات المفروضة على المحكمة وقُضاتها.
تواجه المحكمة الجنائية الدولية تحديات جديدة منذ تكشفت للعالم الأعمال الهمجية والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، وعلى مدار عامين، في قطاع غزة، وأصبح واضحاً للجميع أعمال الإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال في هذا القطاع. وتتمثل هذه التحديات في التهديدات التي تُصدرها الإدارة الأميركية وسُلطات الاحتلال الإسرائيلية في حق المحكمة ككيانٍ قانوني مستقل، وفي حق نائبها العام، وقُضاتها وكبار المسؤولين فيها، وهو ما يشكِّل عائقاً مادياً ومعنوياً أمام قيامهم بمهامهم، والسعي لتحقيق العدالة الجنائية المتوخاة.
يحق للدول، وباسم سيادتها الوطنية ومصالحها الخاصة، أن تمتنع عن القبول بالتزامات دولية عبر اتفاقيات جماعية، أو معاهدات دولية وإقليمية، لكن لا يجوز لها أن تُهدِّد الدول التي تُصادق على هذه المعاهدات وتلتزم بها، ولا أن تفرض عقوبات على قُضاة ومدعين دوليين تم انتخابهم ليقوموا بمهامهم بأمانة واستقلالية ونزاهة وحياد أثناء عملهم في المحاكم الدولية. ويمثل نظام المحكمة الجنائية الدولية أهم وآخر ما نجح المجتمع الدولي في تحقيقه بقصد عدم إفلات المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، من المُحاسبة والعقاب، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للدول التي كانت، ولاتزال، ضحية نزاعات مسلَّحة وحروب أهلية، وهو أيضاً محاولة جادة لإنصاف الضحايا، سواء مَنْ غادر منهم، أو مَنْ لا يزال على قيد الحياة وينتظر مُحاسبة المسؤولين عمَّا لحق بهم من انتهاكات وجرائم، مما يعزز مبدأ الانصاف والعدالة وعدم الإفلات من العقاب.
 
back to top