الهوية والشجرة!

نشر في 26-12-2025
آخر تحديث 25-12-2025 | 17:58
 حمد جاسم الفواز

كالعادة، يتكرَّر الجدل السنوي في الكويت حول وضع شجرة أعياد الميلاد في بعض الأماكن العامة. يُصوِّرها الكثيرون وكأنها معركة مصيرية حول العقيدة والهوية، رغم أن الموضوع في جوهره أبسط بكثير مما يصوِّره الخطاب المتشدِّد. 

آخر هذه الجولات جاءت بعد كتاب اتحاد أصحاب الفنادق، الذي أوضح أن بلدية الكويت أوقفت أي مخالفة بحق المنشآت التي تضع شجرة عيد الميلاد، تأكيداً على احترام التعدُّد العقائدي بين سكان الكويت من مواطنين ومقيمين، وتنفيذاً لمبدأ التعايش الذي كفله الدستور، وتتوجَّه نحوه الدولة مع شقيقاتها من الدول الخليجية.

أما المفارقة، فهي أن هذا الجدل لا ينبع من خطرٍ حقيقي، بل من تصوُّرٍ ذهني يرى في أي مظهرٍ ثقافي غير إسلامي «مؤامرة» أو «تحدياً لعقائد المسلمين». وهنا تقع أولى المغالطات، فالتعايش لا يعني بأي شكلٍ من الأشكال فرض معتقدٍ على آخر، ولا القبول بوجود أي مظهرٍ ذي جذور دينية يعني تبنِّي عقيدته. 

وجود شجرة الميلاد في فندق أو مجمع تجاري لن يحوِّل المجتمع إلى مسيحي، ولا وجود تمثال بوذا بمطعمٍ ما سيحوِّل المجتمع إلى بوذي!

الخلط المتكرِّر بين «الحُكم الشرعي» و«التنظيم المدني» يمثل جوهر الإشكال. فالدولة لا تُقر العقائد، ولا تفرض الإيمان، بل تنظِّم المجال العام بما يضمن التعايش السلمي بين أفراد المجتمع.

بينما الشريعة في المقابل، تُلزم أتباعها الراغبين بتطبيقها، ولا تُفرض على غيرهم. ولو كانت الدولة مُطالبة بمنع كل ما يراه بعض الفقهاء محرَّماً، لتحوَّل المجتمع إلى ساحة وصاية دائمة، ولتوقفت الحياة العامة عند أول اختلافٍ فقهي!

كما أن الاستناد إلى فتاوى بعينها لإضفاء صفة الإلزام على موقفٍ سياسي أو قرار إداري يتجاهل حقيقة راسخة، في أن الاختلاف الفقهي والفكري كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من التراث العربي والإسلامي، فلا كهنوت في الإسلام. لذلك، لا يملك خطيب أو داعية احتكار الحقيقة، ولا تحويل اجتهاده إلى قانونٍ عام. 

فالدِّين يُفهم بمقاصده الكبرى، العدل، والتسامح، وعدم الإكراه، وحفظ السِّلم، لا باقتطاع جزئيات لتبرير المنع والتضييق.

أما ذهاب البعض إلى القول بأن التسامح مع غير المسلمين هو «تفريط في العقيدة»، فهذا تبسيط مُخل، ويعكس هشاشة في الثقة بالهوية الإيمانية، لا اعتقاد راسخ فيها. فاحترام خصوصيات الآخرين، وتهنئتهم، والتعامل معهم ببرٍّ وقسط، هو ما يعكس الأخلاق التي جُبل عليها الكويتيون والقِيم التي تعاقبت أجيالهم عليها.

في النهاية، الجدل حول شجرة عيد الميلاد ليس صراعاً دينياً بقدر ما هو قلق من التغيير، وخوف من الذوبان، وعدوانية دفاعية ضد معركة وهمية، ومعالجته لا تكون بالإقصاء وبث روح الكراهية والضغينة والاتهام بالعمالة والتخوين، بل من خلال سَن قوانين قائمة على مبادئ وطنية مدنية عادلة، وخطابٍ عقلاني يرسخ التعايش، ويحمي المجتمع من تشدُّد رجعي سيجعلنا ننعزل ونبتعد عن مُحيطنا الجغرافي والزمني والمصالحي!

back to top