مغامرة مثيرة في قلب الطبيعة العُمانية... من قمم الجبال إلى أعماق الصحراء
انطلقت رحلة الوفد الإعلامي الكويتي بدعوة كريمة من وزارة التراث والسياحة في سلطنة عُمان، لاكتشاف أبرز الوجهات السياحية في محافظات الداخلية والشرقية وجنوب الشرقية، حيث كانت البداية من الجبل الأخضر الذي يرتفع نحو 3000 متر عن سطح البحر، وعلى بعد 200 كيلومتر من العاصمة مسقط، عشنا تجربة فريدة بين الضباب الكثيف والتضاريس الجبلية المكسوة بالخضرة على مدار العام، ويُعرف الجبل الأخضر بمناخه الفريد، حيث يعتدل الطقس صيفاً، بينما تكسوه السحب الكثيفة شتاءً، مما يجعل منه وجهة مثالية لما يمكن وصفه بـ «السياحة فوق السحاب»، مما يضفي على الزائرين إحساساً ممتعا بالانتعاش والصفاء الذهني، ويمكنك أيضا السباحة بين الضباب والسحاب، فضلاً عن كونه موطناً لزراعة الأشجار المتساقطة الأوراق، التي يُطلق عليها محلياً «أشجار الحلويات»، وأشهرها رمّان الجبل الأخضر، الذي يحظى بشهرة واسعة في المنطقة.
وتنتشر فيه قرى قديمة مثل العقر والعين، إضافة إلى نظام الأفلاج المائية التقليدي، كما تحيط به قلاع وحصون تاريخية بارزة، مثل قلعة بيت الرديدة وحصن جبرين، مما يضفي على المكان عبقاً تاريخياً فريداً.
وأخيراً يُوجد «مسار القرى الثلاث»، الذي يمثّل تجربة مثيرة لعشاق المغامرة، لكونه ممشى سهلا بين المدرجات الزراعية، يمنح الزائرين فرصة للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الساحرة التي تجمع بين عبق التاريخ وروعة الطبيعة.
عمان عبر الزمانالرمال الذهبية والوديان والسباحة فوق ضباب الجبل الأخضر... رحلة لا تُنسى
وفي اليوم التالي، كانت محطة ثريّة جمعت بين التاريخ والجغرافيا، حيث زار الوفد الإعلامي متحف عُمان عبر الزمان بولاية منح في محافظة الداخلية، والذي يُعدّ من أبرز المشاريع الثقافية في السلطنة، لأنه يوثّق تاريخ أرض عُمان الممتد لنحو 800 مليون سنة، ويعرض مسيرة الإنسان العُماني عبر الحقب المختلفة، وصولًا إلى عصر النهضة.
ويشكّل المتحف نافذة مفتوحة على الماضي العريق للسلطنة، ويعكس في الوقت ذاته رؤية مستقبلية تسعى إلى تعزيز الهوية الوطنية وربط الأجيال بتاريخهم الممتد عبر آلاف السنين.
وفي جناح خاص بالقنوات المائية، يبرز المتحف نظام الأفلاج الذي يُعد جزءًا لا يتجزأ من تاريخ عُمان وحضارتها، إذ شكّلت عبر العصور ركيزة أساسية في حياة الإنسان العماني، وتضم السلطنة أكثر من 3000 فلج لا تزال تؤدي دورها الحيوي بنسبة 40 بالمئة تقريبا من المياه المستخدمة في ري المزارع، وقد توّجت هذه القيمة التاريخية والثقافية بإدراج 5 أفلاج عُمانية ضمن قائمة التراث العالمي لـ «يونسكو».
بدية... أصالة وتراث حيّ
وفي المحطة الثالثة، زار الوفد الإعلامي صحراء بدية الشهيرة في محافظة شمال الشرقية، وهي وجهة صحراوية مميزة تُعرف بكثبانها الرملية الذهبية الممتدة، وواحاتها الخضراء التي تمنح الزائر تجربة فريدة تجمع بين المغامرة والطبيعة والتراث البدوي الأصيل.
وتتيح رمال «الشرقية» لزوّارها مجموعة من الأنشطة السياحية التي تجذب عشاق المغامرة، مثل رحلات الدفع الرباعي بين الكثبان الرملية، والتزلّج على الرمال وركوب الجمال والتخييم، وسط أجواء تراثية أصيلة.
وتتميز بدية بتنوّع بيئي لافت، إذ تحتضن 15 واحة خضراء، إضافة إلى 17 فلجاً يعتمد عليها الأهالي في استخراج المياه الجوفية، كما تنتشر أشجار الغاف والصنوبر، وتعيش فيها أنواع مختلفة من الحيوانات البرية، مثل الغزلان، كما تشتهر بالفنون الشعبية والفعاليات، مثل سباقات عرضة الهُجن والخيل.
كما تشتهر بدية بالصناعات والمشغولات اليدوية التي تعكس ارتباطها بالبيئة الصحراوية، لتظل رمال الشرقية أو «رمال وهيبة» رمزاً للجمال الطبيعي والثراء التراثي، ووجهة سياحية بارزة تعكس تنوّع عمان وعمقها الثقافي، لتبقى بدية محطة لا تُنسى في ذاكرة كل زائر.
صناعة السفن الخشبية
أما المحطة الرابعة فكانت في ولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية لزيارة مصنع القوارب الخشبية الذي يُعدّ الأقدم في منطقة الخليج، ولايزال يحافظ على أساليب العمل التقليدية في صناعة السفن من خشب «التيك» المستورد من الهند وإندونيسيا، وذلك رغم التحديات التي تواجه هذه الحرفة العريقة.
وأوضح المرشد السياحي ياسر المعمري أن ولاية صور تشتهر منذ القدم بصناعة السفن والأبواب الخشبية، إلى جانب كونها منطقة ساحلية معروفة بصيد الأسماك، مشيراً إلى أن المصنع يُنتج أنواعًا مختلفة من السفن، مثل «البغلة» و«الغنجة»، بأوزان تتراوح بين طن واحد و3 أطنان، وتستغرق صناعة السفينة ما بين 7 أشهر وعام كامل، ومزودة بالمحركات بعد أن كانت في السابق تُدار بالأشرعة.
منارة العيجةوادي شاب مغامرة في قلب الطبيعة العمانية... وسوق مطرح نافذة على تاريخ السلطنة
ومن مصنع السفن إلى زيارة معلم فريد، هو منارة العيجة، أو منارة صور، التي كانت في الأصل برجًا دفاعيًا قبل أن تتحول إلى منارة تُوجّه قوارب الداو الخشبية نحو بحيرة صور، وتُعدّ المنارة من أبرز مناطق الجذب السياحي في الولاية، إذ تقع في أعلى نقطة على الجانب الشرقي من ميناء صور، مطلةً على خليج عُمان.
رأس الحد... بلد الشروق
واستمرت المغامرة شرقاً إلى منطقة رأس الحد التابعة لولاية صور في محافظة جنوب الشرقية، والمعروفة باسم بلد الشروق، التي تعدّ أول بقعة تشرق عليها الشمس في الوطن العربي والشرق الأوسط.
وتتميز رأس الحد بموقعها الجغرافي الفريد عند الحد الفاصل بين بحر العرب وبحر عمان، وتتمتع بأجواء معتدلة على مدار العام، وشواطئها ذات الرمال الوردية، كما تجذب هذه الشواطئ السلاحف البحرية الخضراء للتكاثر.
وتزخر المنطقة بمعالم سياحية بارزة، أبرزها حصن رأس الحد، إضافة إلى التضاريس الجبلية والشواطئ النقية. كما تحتضن أول محمية للسلاحف في السلطنة، التي أُنشئت في أبريل 1996، بهدف الحفاظ على السلاحف، وخاصة الخضراء.
وادي شاب
من أبرز محطات الرحلة كانت زيارة وادي شاب بولاية صور على بُعد 150 كيلومتراً من العاصمة مسقط، ويُعدّ وجهة سياحية طبيعية فريدة، حيث يتميز الوادي بجماله الأخّاذ ومياهه الفيروزية الصافية التي تدعو الجميع للسباحة والاستمتاع.
وتبدأ مغامرة الوصول إليه عبر قوارب صغيرة يديرها أهالي المنطقة، ثم متابعة المسير عبر مسارات طبيعية خلابة تستغرق نحو 40 إلى 50 دقيقة بين الصخور والممرات المائية الفيروزية في تجربة مليئة بروح المغامرة والاستكشاف، لتجعل من الوادي وجهة مثالية لعشّاق الطبيعة والمغامرات، وتجسّد في الوقت ذاته التنوع البيئي الذي تتميز به سلطنة عمان والجهود المبذولة للحفاظ على معالمها الطبيعية.
بحيرة فيروزية ساحرة«رأس الحد» أول بقعة تشرق عليها شمس الوطن العربي
وفي طريق العودة إلى مسقط، توقفنا عند منتزه هوية النجم في ولاية قريات بمحافظة مسقط، وهو حفرة طبيعية مذهلة تُعرف ببحيرتها الفيروزية العميقة المتصلة بالبحر.
يبلغ قطر الحفرة نحو 40 متراً وعمقها حوالي 20 متراً، وتشكّل بحيرة ساحرة تجذب السياح للسباحة والغوص وسط طبيعتها الصخرية الفريدة.
وتتعدد الروايات حول نشأة هذه الحفرة، فمنهم من يربطها بانفجار نجم، ومنهم من يعزوها إلى مياه جوفية من باطن الجبال أو مسارات خاصة من البحر.
قلب عُمان النابض
أما المحطة الأخيرة التي لا يمكن لأي زائر أن تطأ قدماه أرض سلطنة عُمان دون أن يتوقف عندها، فكانت في سوق مطرح العريق، الذي يقف شامخا على ضفاف بحر عمان، محتفظا بعبق الماضي وروائح اللبان والبخور التي تسبقك إليه من عشرات الأمتار، ويُعدّ واحدا من أقدم وأشهر الأسواق الشعبية في العاصمة مسقط، ويعود تاريخ إنشائه إلى نحو 200 عام احتفظ خلالها بمكانته كرمز للتراث العُماني الأصيل، ويتميّز بمبانيه التاريخية المزخرفة بالنقوش الأثرية، وممراته الضيقة المتعرّجة التي تُسقَف بالخشب.
وداخل السوق تتجلّى ملامح الثقافة العُمانية في معروضاته المتنوعة، بداية من المشغولات اليدوية من فضيات وخناجر تقليدية وأقمشة تراثية، فضلا عن الحلوى العُمانية الشهيرة التي تُعدّ رمزًا للضيافة، والبهارات والبخور (اللبان)، التي تضفي على السوق نكهة وروائح مميزة.
هارون بن عيسى
الهوية الحضارية العُمانية
أكد المسؤول الإعلامي لمتحف عمان عبر الزمان، هارون بن عيسى، أن المعرض يسلّط الضوء على حضارة عُمان عبر العصور، مع التركيز على العصر البرونزي بوصفه محطة مفصلية في تشكُّل الهوية الحضارية العُمانية، موضحاً أن هذه المرحلة تميّزت بانفتاح السلطنة على حضارات كبرى مثل بلاد الرافدين ودلمون ووادي السند، مما يعكس الدور المحوري لعُمان في حركة التجارة والتواصل الحضاري في العالم القديم.
وأشار بن عيسى إلى أن المتحف يعرض مجموعة من الأدلة التاريخية، من بينها وثائق ونقوش من بلاد الرافدين ورد فيها ذكر عُمان، إضافة إلى إشارات إلى الملوك والمعتقدات الدينية في تلك الحقبة، كما يتناول المعرض القوارب العُمانية القديمة، مبرزاً مراحل بنائها والبضائع التي كانت تُنقل عبرها، في دلالة على تطوّر مهارات الملاحة وبناء السفن لدى العُمانيين ودورهم الريادي في التجارة البحرية خلال العصر البرونزي.