مها صلاح... الضَّوء الذي اختفى فجأة!

نشر في 24-12-2025
آخر تحديث 23-12-2025 | 20:28
 محمد علي ثامر

قبل أيامٍ مرَّت علينا الذِّكرى الأولى لرحيل الأديبة والكاتبة اليمنية مها صلاح، التي وافاها الأجل في 25 نوفمبر 2024، وحقيقةً فمع ذِكرى رحيلها الذي لم يكن وجعاً شخصياً يخصُّ أُسرتها وحدها، بل كان خسارةً لكل من عرفوها عن قرب، وشاركوا معها تفاصيل الكتابة، وضحكات اللقاءات الثقافية، وأحلام المشاريع المؤجلة، فيتكرر الوجع، ويتجدد الألم، فالغياب بحد ذاته لم يكن حدثاً زمنياً عابراً، بل فراغاً إبداعياً فقدناه، وحماساً معرفياً ضاع في لحظةٍ غافلةٍ من الزمن، وصمتاً ثقافياً يُذكرنا بأن بعض الأصوات لا تُعوَّض، ونحن كأصدقاء لها لا نبكيها فقط، بل نشتاق إلى حضورها اليومي، وتعليقها الذكي، وابتسامتها التي تُخفِّف ثقل الأيام، وتشجيعها الصادق لكل موهبةٍ ناشئة.

فهي لم تكن اسماً عابراً في المشهد الأدبي اليمني، بل كانت أكثر من أديبة أو قاصّة، كانت روحاً خفيفةً ذات حضورٍ دافئ، تمنح من وقتها واهتمامها دونما حساب، ففي جلساتنا، كانت تشبه نافذةً مفتوحةً على الطُّمأنينة، وفي نقاشاتنا، صوتاً مُحفِّزاً لاقتحام المستحيل، وصناعة الأثر، ووضع البصمة، وكانت بحقٍّ وحقيقة موهبةً نادرةً آمنت بالكلمة بوصفها رسالة، وبالطِّفل بوصفه نواة المستقبل، ففي كِتاباتها القصصية والرِّوائية والصحافية، لم تتعامل معها كحكايات للتسلية والترفيه، بل كأداةٍ لبناء الوعي، والخيال، والقيم الإنسانية العليا والمثلى، فامتلكت قدرةً نادرةً على النَّفاذ إلى عالم الطِّفل، وآمنت بأنه ذكي بفطرته، وأن مخاطبته أدبياً تتطلب احترام عقله، ولذلك جاءت قصصها متوازنةً بين المعرفة والخيال والتربية، فكانت لغتها شفافة، وصورها نابضة، وشخصياتها قريبة من الحياة اليومية للطفل اليمني والعربي، وتحمل همومه الصغيرة وأحلامه الكبيرة، كما تميزت بقدرتها على زرع القيم الإنسانية كالتسامح، والصداقة، وحب المعرفة، والانتماء الوطني، وهو ما جعل أعمالها محببة ليس لدى الأطفال فقط بل ومقدرة من قبل الكِبار.

ولم يقتصر عطاؤها على الكتابة فقط، بل امتد إلى المشاركات الثقافية، والورش، والمبادرات الإبداعية التي جعلت منها اسماً معروفاً في الأوساط الأدبية اليمنية والعربية، خاصة في مجال أدب الطفل، وكانت حريصة على تطوير أدواتها، مؤمن بأن الإبداع عملية تعلم مستمرة.

وحقيقة جاء رحيلها مباغتاً ومفاجئاً وصادماً، كأن الضَّوء انطفأ في لحظةٍ لم تكتمل فيها الحكاية بعد، رحلت جسداً، لكنها تركت أثراً لا يُمحى في كتاباتها، وفي ذاكرة قُرَّائها الصِّغار، وفي وجدان كل من عرفها أو قرأ لها، وفي الذِّكرى الأولى للرحيل، نستعيدها لا بالبكاء فقط، بل بإعادة قراءة أعمالها، والاحتفاء بتجربتها، وحفظ إرثها الإبداعي من النسيان، فالمبدعون الحقيقيون لا يرحلون تماماً، بل يتحولون إلى ذاكرةٍ لا تغيب، وإلى ضوءٍ خافتٍ لكنه دائم، ولهذا فـ«مها صلاح» لم تكن مجرد كاتبة قصص أطفال، بل كانت حارسةً للبراءة، وصديقةً للخيال، ومؤمنةً بالكلمة النَّقية.

رحلت مُبكراً، نعم، لكن الضَّوء الذي أشعلته في عيون الأطفال ما زال قادراً على مقاومة العتمة...

رحلت، ولكن وجعها بقيَ حيّاً في قلوبنا، وجعاً نقياً لا يشيخ ولا ينطفئ، سنظل نتذكرها كلما وردت في خواطرنا، أو رأينا طفلاً يقرأ قصةً، سنتذكرها أنها كانت هنا... وأن الغياب، أحياناً، لا يعني النهاية، بل بداية حنينٍ جديد.

* صحافي يمني

back to top