رحلة في معرض الكويت للكتاب

نشر في 10-12-2025
آخر تحديث 09-12-2025 | 17:48
 بدور المطيري

هناك معارض كتب نزورها لنقتني كتاباً، ومعارض نزورها لأن ذكريات طفولتك تناديك، مهما سافرت ومها شاهدت من معارض سيكون لمعرض الكويت للكتاب طابع وطعم مختلف، إنه المكان الذي تمشي به داخل ذاكرة بلد بأكمله، ما إن دخلت الممرات حتى أحسست بذلك الازدحام الذي لا يضايق، بل يعيد لك الإحساس بأن الثقافة هنا ليست طارئة، وأن الكويت لا تزال تعرف كيف تصنع حراكاً يجعل الزيارة حدثاً يُحكى ويتردد صداه.

أول ما لفت نظري كانت الكاتبة الصغيرة زينب الخالدي، ابنة السبعة عشر عاماً، والتي كانت تقف بثقة بجوار كتابها الثالث، كانت تروّجه لتستكمل تكاليف علاجها بصفتها من ذوات الإعاقة، لكن بحديثك معها تكتشف أنها أكبر من عمرها. أخبرتني كيف بدأت رحلتها العلاجية المكلفة من بيع كتبها وهي في الثانية عشرة فقط، وكيف قررت أن تكون صوتا للمعاقين لا مجرّد شابة صغيرة تتلمّس طريقها.
في كتابها الأخير كانت ترصد حكايات لذوي الإعاقة بلغة شفافة، وكأنها تقول للمجتمع «أنصتوا.. هناك قصص لا يسمعها أحد»، في حضورها قوة، ووعي نابع من تجربة ذاتية.

ثم التقيت الروائي يعقوب الشمري، صاحب رواية «شتاء بارد»، وهو أحد الأصوات التي تثبت أن الإعاقة لا علاقة لها بالموهبة أو الفكر، فاجأني بتقدمه الأدبي كل عام، فكتاباته تحفر أثراً عميقاً لا يمكن تجاهله.

تذكرت لحظة تقديمي له في ندوة عامة بداية هذا العام، لم أرَ الجمهور يصغي بهذا العمق لشخص كما أصغى له، كل جملة كان يقولها كانت تلهم وتنير الفكر، وكأن الأدب لديه ليس نصّاً مكتوباً، بل تجربة كاملة ومرآة لأحداث في المجتمع. 

وفي أثناء تجوالي بين الأجنحة، لفتتني تلك الوجوه الشابة الصغيرة التي تحمل كتبها الأولى بفرح يشبه اكتشاف الذات، ومن بينهن كانت رهف البرازي، التي قدّمت كتابها «حين يأتي نوفمبر» بخواطر رقيقة وصادقة، تحمل حسّاً مرهفاً كاسمها، ونابعة من قلب يتلمّس طريقه الأول في الكتابة، وبنصوصها الصغيرة تذكير بأن البداية لا تحتاج إلى ضوء كبير، بل الى شجاعة الظهور.

وتحدثت أيضاً مع مجموعة من الشابات، وكان النقاش حول غياب الناقد الأدبي والحاجة إلى وجوده ليساهم في تطوير الأعمال الأدبية، فحسب ما ذكرن فإن معظم النصائح التي يسمعنها تأتي من بعض دور النشر التي تركّز على المبيعات لا على القيمة الأدبية، وفي هذا الجانب سيطول الحوار، إذ انني أعرف معاناتهم في البقاء بالسوق التجاري، وشعرت فعلاً أننا بدأنا نفقد ذلك الناقد الذي كان يوما بوصلة الحركة الأدبية في الكويت، مَن يعيد إلى الكتابة دورها كمساحة للفكرلا كمنتج تجاري.

خرجت من المعرض وأنا أكثر يقيناً بأن الكتابة ليست مهنة، بل طريق طويل لا يكمله إلا مَن يكتب بقلب حيّ وشغف لا يخفت، فكل كلمة يكتبها الإنسان ستعود إليه يوماً ما، فالكلمة قوة لا يستهان بها، وكل حرف يخرج منك يحمل أثراً لا تعرف إلى أي قلب ستصل، ولا أي باب سيفتحه، أثر قد يداوي، وقد يجرح. لذلك اكتب بوعي وتحدّث بمحبة، لأن الكلمات تعيش أطول منّا جميعاً، ولأن أثرها يبقى حين يختفي كل شيء آخر.

back to top