الذكاء الاصطناعي... الوكيل الذكي
قبل سنوات قليلة فقط، كان الذكاء الاصطناعي يبدو لكثيرين مجرَّد مصطلحٍ عابر لا يتجاوز حدود المختبرات، ولا يظهر إلا في الأبحاث العلمية أو أفلام الخيال العلمي. أما اليوم، فقد أصبح قوةً كاسحةً تُعيد تشكيل العالم، كما أعادت الكهرباء والإنترنت صياغة القرنين الماضيين، وراح يتسلل إلى كل زاويةٍ من زوايا النشاط البشري... في العمل، والصحة، والتعليم، والإعلام، وفي القرارات التي تتخذها الحكومات والشركات، على حدٍّ سواء. وكأننا أمام ضيفٍ جديد اقتحم عالمنا ليُعيد ترتيبه وفق رؤيته.هذا التحوُّل لم يأتِ بين شَفَق وغَسَق، بل جاء نتيجة جهود جبَّارة بُذلت في تطوير قُدرة النموذج الذكي على التعلُّم والتحليل والإبداع، بعد أن كانت الحواسيب وبرامجها في الماضي مجرَّد آلةٍ تعتمد على تنفيذ تعليمات برمجية يقدِّمها له الإنسان؛ تُخطئ إن أخطأ المبرمج، وتُصيب حيث أصاب. وبهذا التحوُّل، تمرَّد «الذكاء الاصطناعي التوليدي»، ولم يعد يكتفي باسترجاع المعلومات ومعالجتها، بل أصبح قادراً على الابتكار، من خلال مراكمة خبراته الخاصة، واستخدامها لتوليد نصوصٍ جديدة، وتصميمات غرافيك معقدة، وإنتاج مقاطع فيديو واقعية، وحتى شيفرات برمجية متكاملة، وأصبح بذلك قادراً على إنتاج وتركيب المعرفة بشكلٍ يجعلنا نلِجُ عصراً جديداً من الإنتاج والإبداع.
ويُعزى هذا النجاح إلى تفوق الذكاء الاصطناعي، وقُدرته على معالجة كميات غير محدودة من البيانات بسرعةٍ لا يمكن للعقل البشري الوصول إليها، لا سيما أن كمية البيانات التي ينتجها العالم اليوم تفوق قُدرات الإنسان والمؤسسات على تحليلها.
وفي محاولةٍ لتجاوز العنصر البشري وتقليل الاعتماد عليه (بدافع تقليل التكاليف وزيادة الأرباح)، بدأت مرحلة جديدة تجاوزت ما سبق، وهي مرحلة «الوكلاء الأذكياء» (Agentic AI)، وهنا لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرَّد مساعدٍ يجيب عن الأسئلة، بل أصبح يتخذ خطوات متتابعة تُحاكي المنطق البشري إلى حدٍّ كبير، وإن كان بأساليب مختلفة؛ يفهم المشكلة، يخطط وينفذ، ثم يراجع ويحسِّن، أي أنه غدا قادراً على تنفيذ سلسلة من المهام ذاتياً، واتخاذ القرارات بنفسه من دون تدخُّلٍ مباشر من الإنسان.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي امتلاك «القوة الخفيَّة» البشرية؟ الجواب جزئياً: نعم، في قراءة البيانات والربط بين المفاهيم، بل ربما يتفوق عليه. أما جوهرياً، فالجواب لا، لأن العقل البشري بُني على مهارة القدرة على فهم الأنماط، والتمييز بينها، حتى وهي في حالة فوضى، كأن تتعرَّف إلى وجهٍ في الظلام، وأن تفهم نبرة صوتٍ خلف ضجيج، وتعرف هل المتحدث غاضب أم سعيد أم مندهش، فالكلمة نفسها يتغيَّر معناها بتغيُّر نبرة الصوت، أو أن تربط حدثاً بآخر من دون أن يُخبرك أحدٌ بذلك.
ورغم محاولات أنظمة الذكاء الاصطناعي محاكاة هذه القدرات البشرية، فإن التشابه يقف هنا عند حدودٍ معينة، لأن ما يلتقطه الذكاء الاصطناعي ليس «فهماً» بالمعنى الإنساني، بل علاقة إحصائية معقدة بين ملايين البيانات، فيما يستند الفهم البشري إلى ذاكرة وخبرة وعاطفة وسياق اجتماعي متكامل.
ومع ذلك، فإنه مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي سيحل مكان عددٍ كبير من الموظفين في المستقبل، مخلفاً وراءه جيوشاً من العاطلين عن العمل، وهذا مدار نقاشٍ حاد يدور في أوساط الناشطين والنقابيين والحقوقيين.