هل الرضاعة تمنع زواج المسيحي؟
من المعروف شرعاً لدى المسلمين أن اشتراك شخصين في الرضاعة يمنع التزاوج بينهما، أي بين الذكر والأنثى، ولكن هل لهذا «المانع الشرعي» وجود في الديانة المسيحية كذلك؟ نعم، إنه موجود بين المسيحيين الأقباط في مصر مثلاً، يقول رئيس الكنيسة في مصر: «لا يتزوج أحد بمن أرضعته أمه إرضاعاً تاماً كوالدة لولدها ولا بأولاده ولا بآبائه. وكذلك لا يتزوج الرجل بزوجة من تبنى به ولا المرأة بزوج التي ربتها».
انظر: الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية لكنيسة الأقباط الأرثوذكس، تألیف رئيس الكنيسة الكبرى المرقسية بالقاهرة، المتنيح الايغومانس فيلوثاؤس، القاهرة، 1913 (ص36).
ويضع الأقباط كذلك نفس الموانع أمام زواج من تربطهم القرابة الطبيعية أي الآباء والأولاد والأحفاد والأخوات والعمات... إلخ. وكذلك القرابة الناشئة عن الزواج، أي بنت الزوجة ونسل أولادها وأختها... إلخ.
ومن موانع الزواج الأخرى، يقول المرجع نفسه: المخالفة في الدين المسيحي - أي أن يكون أحدهما على دين آخر - وعدم البلوغ، أعني عدم بلوغ الذكر أربع عشرة سنة والأنثى اثنتي عشرة سنة، وكذلك زيجة الولي أو ابنه أو أخيه مع من هو موكل في تزويجها، إلا إذا أتمت لها الخمس والعشرين سنة ويمنع زواج المرأة التي «لم تنقض مدة حزنها، وهي عشرة شهور لوفاة زوجها».
وقد جاء في هامش كتاب «الخلاصة القانونية» نفسه بعض التوضيح والإضافة كما يلي: «وقد حرموها من الميراث والوصية إذا ما تزوجت قبل انقضاء هذه المدة، غير أنه أبيح لها الخطبة أو عقد الإملاك في هذه الفترة، والقصد ألا يختلط الدم لعدم تحول الميراث من واحد لآخر بأسباب هذه الزيجة». (ص 40)
وعن الزواج مع الأرقاء والعبيد، ذكر الكتاب تحت بند «الزيجات المكروهة إلا أنها مباحة»:
أولاً: زيجة الأحرار بعبيدهم المؤمنين أي المسيحيين.
(وكان القانون المصري قد ألغى الرق على مرحلتين، عام 1877 و1884، ولكن الرق لم يختف وينقرض في مصر حتى حلول ثلاثينيات القرن العشرين - موسوعة ويكيبيديا الرقمية).
ثانياً: زيجة التاركي رهبنتهم من أجل الزواج رجلاً أو امرأة.
ثالثاً: زيجة امرأة القسيس بعد وفاته.
ويقول كتاب «الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية لكنيسة الأقباط الأرثوذكس»: فهذه الزيجات وإن تكن مكروهة إلا أنها جائزة ولم تحرمها الكنيسة. (ص41-42).
ولكتاب «الخلاصة القانونية» إشارة إلى قضية رئاسة الأسرة بين المرأة والرجل بعد أن يتزوجا و«يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً، بحيث إن الرئاسة هي للرجل والمرؤوسية للمرأة»، لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة، «أيتها النساء، اخضعن لرجالكن كما للرب» (ص 43).
وتمنع التعاليم الدينية القبطية تحديد النسل، كما يفهم من قولها: «لا يجوز للرجل إذا أتى زوجته أن ينعزل عنها لاستخراج الزرع وإلقائه بقصد عدم حصول النسل، أو لأي قصد كان. ولا يجوز التداوي لمنع الحمل. فإن هذين الشرين ضد الناموس المسيحي» (ص47).
ويحدد الكتاب سن الزواج بـ 14 للذكر و12 للأنثى ويضيف:
«أما الخطوبة وعقد الأملاك (أي الملكة) فيجوز قبل هذه السن» (ص 31)، ولا أدري إن كانت شريعة الأقباط في المسيحية تجيز تزاوج الأطفال حتى في المهد كما هو الأمر بين مسلمي الهند إن لم يكن قد تغير الوضع.
هل يرث «العبد المملوك»؟ يقول الكتاب: «العبد، لا يرث بغير وصية من المورث نفسه. ولا يرثه أحد غير سیده. وبعد سيده نسل سيده. ولأن كل ما يملكه العبد ملك لسيده ولهذا لا وصية له وإن كان في التركة مماليك اعتقوا حالاً». (ص176).
وفي باب الممنوعين من الميراث يقول الكتاب: «المسيحي لا يرثه غير المسيحي». و«لو وصي لشخص حال كونه مسيحياً ثم خرج بعد الوصية عن إيمانه قبل قبض الميراث فلا يستحق شيئاً مما أوصي له به قط» (ص180).
ويقول الكتاب: «قاتل المورث ومسلمه لمن يقتله لا يرثان ولو كان أوصي لهما من قبل، ومثلهما من عرف الساعين في قتل المورث وتكتم على ذلك ولم يخبر به حتى قضي الأمر، لا يرث البتة» (ص181).
وفي أحد الأشعار الدينية القبطية وتسمى «أرجوزة الشيخ الأسعد بن العسال» في المواريث:
ومن يَمُت في الديرِ من رُهبانِ
فلن يحوزَ إرثَه علماني
لكنْ للديرِ والإخوانِ
كما يراه أعظمُ الرهبانِ
(هامش ص 184)
وعن منع الشهود في القضايا يقول الكتاب: «لا يشهد غير مؤمن»، (أي لا شهادة لغير المسيحي على المسيحي). ويؤكد الكتاب مساواة الذكور والإناث في المواريث، ويقول إن المسيحية قد ساوت بينهما (ص327).
تعرض كتاب «الخلاصة القانونية» بعد صدوره عام 1913 لبعض الانتقاد فقال د. عبدالله بك سميكة في 4 مارس 1898، بعد عامين من طباعته الأولى في 1896م، وبعد إشادته بمحتويات الكتاب وخاصة في مجال المواريث ووسائل الزواج والأوقاف، قال إن الكتاب يعاني من تداخل المواد والحاجة إلى الترتيب، وكذلك عدم الحاجة إلى إلحاق تفاصيل عن المواريث في الشريعة الإسلامية التي لها مراجعها.
ومما جاء في الكتاب: «وقد استمر المصريون منذ عهد تنصرهم وهم لا يقسمون ميراثهم إلا على حسب شريعتهم: مساوين الذكر بالأنثى حتى 26 جمادى الآخرة سنة 755هـ (1354م)، فصدر مرسوم قرئ على الأمراء بأن يتولى المسلمون قسمة تركة من يموت من أهل الذمة». (ص 299).
وقد منح للأقباط حق التقاضي على شريعتهم بعد أن حرموا زماناً طويلاً من نظر أمورهم، حتى أن ميراث من كان يموت منهم بلا عقب كان يؤخذ لبيت المال، وكما يقول المؤرخ المقريزي: «وإن من مات من أهل الذمة يتولى المسلمون قسمة تركته على ورثته إن كان له وارث وإلا فهي لبيت المال. ثم نزل الحاجب بالمرسوم فقرأه في جوامع القاهرة ومصر فكان يوماً مشهوداً». فنشأ عن ذلك، أي منذ تلك السنة وذلك المرسوم عام 1354، أن الأقباط ساروا في التوريث على حسب الشريعة المحلية أي الإسلامية. وقد ساند الكثير من الرجال بين الأقباط هذا التحول الذي يضاعف نصيبهم من الميراث باهتضام حق المرأة وعدم مساواتها بهم. ولذلك عندما سنت لائحة المجلس الملي الحديثة نصت المادة 16 على أنه «لا تنظر مسائل المواريث إلا باتفاق جميع أولي الشأن فيها». (ص263).
هذا ما سمح به المقال والمجال... وما لم يسمحا به أكثر!