رفيق نصرالله: فلسطين المستقبل والنضال مستمر والدولة قادمة رغم التحديات
• خلال حلقة حوار برنامج الجوهر لـ«لابا- لوياك»
قدَّم رفيق نصرالله شهادة شخصية ومهنية تناولت مسيرته الإعلامية الطويلة في محطة أبوظبي التلفزيونية، ثم في بيروت على مدى 51 عاماً، جسَّدت مسيرته المهنية الثرية في العمل الإعلامي والسياسي، لمجموعة من المشاركين من لبنان وسورية وفلسطين، بإدارة الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان، الذي قدَّم لهم ورشة تدريب إعلامي على مدى أيام في بيروت لتأهيلهم لإجراء الحوار.
شارك في الحوار 9 متدربين، هم: إبراهيم قازان، ودانيا موسى، وهبة نورالدين، وعلي سيف الدين، وفادية قمحية، وأحمد العمر، وعلاء الدين سكر، وبهاء جمال، وربيع كبارة.
انفصام في الهوية
رداً على سؤال من المشارك إبراهيم قازان حول دور المقاومة وموقعها بالداخل اللبناني في ضوء متغيِّرات الساحتين الداخلية والإقليمية، أوضح نصرالله أن النقاش حول ما يجري في المنطقة يجب أن يكون استراتيجياً، لا مجرَّد ردود فعل، لأن لبنان جزء من تحوُّلات كبرى تُعيد رسم خرائط النفوذ، والمخطط الجاري يعود إلى 2003.
وأضاف: «شهدت في قريتي حولا 1948 اجتياحاً إسرائيلياً للقرى الجنوبية، وتم تسليمنا إلى مخيمات اللاجئين. منذ ذلك الحين، ظهر انفصام في الهوية بالدولة اللبنانية: جزء لا يتعاطى مع القضية الفلسطينية، وجزء آخر له انتماءات عروبية، خصوصاً بعد تجربة عبدالناصر».مخطط 2003: إسرائيل بين السيطرة على المنطقة واستهداف المقاومة
وذكر أن هذا الانقسام العميق في لبنان يعود لما قبل 1982، وصولاً لفترة الاستقلال، ويكشف الأسباب، من واقعة صخرة الروشة الأخيرة إلى الانقسامات اليومية في البرلمان، ويعكس اختلاف المواقف تجاه القضية الفلسطينية والمقاومة، علماً بأن المقاومة نشأت بسبب غياب الدولة الوطنية العادلة، مضيفاً أنها في الحرب الأخيرة لم تكن مستعدة لمعركة كبيرة مسبقاً.
وحول طبيعة ودلالات دعم إيران للمقاومة، أكد نصرالله أنه كان حقيقياً، لكنه لا يعني أن لبنان بأكمله تحت سيطرتها، مشدداً على أن المقاومة تقاتل وفق مصالح وطنية وعربية في مواجهة إسرائيل وأميركا.لبنان على مفترق طُرق... الانقسامات الطائفية والمذهبية تهدِّد السِّلم الأهلي
وعي سياسي مبكِّر
وتعقيباً على سؤال المشاركة دانيا موسى حول جوانب من نشأته، قال نصرالله: «ولدت في حولا، بعد أن تزوَّج والدي صغيراً، ونشأت في بيئة وطنية مفعمة بالوعي السياسي. منذ الطفولة، كُنت أسمع عن المجازر الوطنية، وأتفاعل مع صور جمال عبدالناصر بالمنزل، وفي سن السابعة شاركت في احتجاجات رمزية على بوابة شاتيلا ضد التدخل الأميركي، وتعرَّضت للضرب، وفقدت حقيبتي، لكن دعم والدي ساعدني على تجاوز الموقف. لاحقاً، بعد انتقالي إلى أبوظبي عام 1975، ومع دعم الشيخ زايد للإعلاميين العرب المناهضين لإسرائيل، تعززت لديّ القِيم القومية والعروبية».
ذكريات حولا وبيروت: كيف أصبح صوت رفيق نصرالله «صوت المقاومة»؟
صوت لبنان العربي
وتعقيباً على سؤال المشارك علاء الدين سكر حول تجربة «صوت لبنان العربي» كأول تجربة في الإذاعة بعد اجتياح 82، ذكر نصرالله: «كُنت أعمل مذيعاً في قناة أبوظبي، وعندما جاء اقتراح إنشاء تلفزيون لبنان العربي، توليت مهام مدير الشؤون السياسية بالإذاعة، وأطلقنا البث قبل الاجتياح الإسرائيلي بيومين. قدَّمت برنامج (كلمات للأرض والوطن)، وكتبت بعض المسرحيات، مثل (الشهيد ابن البلد)، وحصلت على جائزة أفضل نص في مهرجان دمشق».
وتابع: «كان صوتي يمثل المقاومة، مع شعارات صارخة، مثل (لن تدخلوا بيروت... ستموتون تحت شبابيك المدينة التي لا تموت)، وانتشرت على الجدران والآليات العسكرية. وكتبت شخصيات، مثل (ابن البلد) لأحمد الزين، لتجسِّد نبض الشارع والثورة، مستوحاة من كتابات محمد الماغوط».
وأردف: «هذه التجربة المهنية والسياسية اضطرتني لدفع ثمن مواقفي، فهناك دول عربية وإقليمية أُمنع من دخولها أو منابرها الإعلامية حالياً، لكنها شكَّلت جزءاً من مسؤولياتي وخبرتي التي حملت صوت بيروت في أصعب فترات مقاومة الاحتلال».
حرب الإسناد
وحول سؤال للمشاركة هبة نورالدين عن حرب الإسناد ودور الإعلام الراهن في تغطيتها، أجاب نصرالله: «تغطيات حرب الإسناد كانت انعكاساً لمنطقين متعارضين: مُعادٍ ومع المقاومة، والإعلام اللبناني يعاني انقسامات وهواجس وانتماءات، ويقصِّر في نقل الأحداث الميدانية، سواء حرب الإسناد أو غزة، مقارنة بالقنوات الأخرى».
وأوضح أن الإعلام القديم اتسم بالمصداقية والحرفية والرصانة، فيما الحالي يعاني صبيانية وضعفاً ثقافياً وسياسياً يعكس تقليدية التعليم الإعلامي وغياب التدريب العملي.الناصرية قدمت مشروعاً ثقافياً وقومياً بحاجة للتجديد
وعبَّر عن إعجابه بنموذج من الشباب الواعدين، هو محمد فرحات، لشجاعته وقُدرته على الارتجال أمام الكاميرا.
حرب أهلية!
ورداً على سؤال المشارك بهاء جمال عن توقعاته بنشوء حرب أهلية جديدة في لبنان، أوضح نصرالله: «أسباب الحرب في لبنان تشمل: الانقسام الداخلي العميق، والتدخلات الإسرائيلية، والبُعد الطائفي، وضعف الطبقة السياسية، وتأثير وسائل التواصل والثقافة الشعبية، لهذا هي واردة».
وتعقيباً على سؤال المشارك علي سيف الدين حول طبيعة المراجعة الحتمية الواجبة من الأجيال الجديدة بالنسبة للصراع العربي- الإسرائيلي، قال: «من الصعب الحُكم ونحن في خِضم حرب وجودية، وقد تؤدي إلى ضياع جزءٍ من البلد. المشكلة أننا لا نمتلك القدرة على التفكير الإبداعي، ما يجعل القوى الحزبية الراهنة دون مستوى المواجهة».
الإعلام العربي لم يعد السُّلطة الرابعة بسبب غياب التخصص والاحترافية
عبدالناصر صوت العرب
وتعقيباً على المشارك أحمد العمر حول محور الناصرية، وتأثيرها، قال نصرالله: «تأثرت بالناصرية، لأنها قدَّمت مشروعاً تقدمياً وعروبياً: مقاومة الاستعمار، وتحرير فلسطين، واستقلال داخلي، ومكونات اشتراكية ترافقها (كاريزما) قيادية جعلت كلام عبدالناصر يهز الشوارع. كانت ثرية ثقافياً، مسرحاً، أغنية، صحافة ملتزمة، وقدمت ذروة من الوعي العام، قبل أن يبدأ الانحدار الثقافي فيما بعد».
وأكد أنه «لإحياء القومية العربية يجب تحديثها بمشروع اقتصادي وثقافي لما بعد العولمة، ونهج علمي وتربوي يبدأ من التعليم المبكِّر، لنبني جيلاً تقنياً وعلمياً مثل نماذج عالمية، كاليابان. وعلى الشباب أن يقرأ، ويشاهد الوثائقيات، ويطالب بوسائل إعلامٍ جديدة تعبِّر عن طموحاته، فبديل الفراغ الأيديولوجي ليس الدِّين المؤدلج، بل مشروع حداثي يمنح الأمة أفقاً مستقبلياً».
سُلطة بلا سُلطة
وفي إجابته عن المشاركة فادية قمحية من فلسطين حول ما إذا لا يزال الإعلام سُلطة رابعة، أجاب نصرالله: «الإعلام فقد سُلطته، بسبب سيطرة المزاجية، وغياب التخصص والاحترافية، فضلاً عن التأثير المتصاعد لوسائل التواصل التي منحت لكل شخص إمكانية البث المباشر من دون قواعد أو مصطلحات معتمدة. أما الإعلامي الشاب اليوم، فاختياره للمنصات الحديثة يعكس اختلاف الثقافة والتقنيات، لكنه يواجه تحدياً كبيراً في الاستقلالية، خصوصاً في ظل سيطرة أصحاب المحطات وأهوائهم. أما الحملات الرقمية، فبدأت تؤثر جزئياً على الرأي العام العربي، لكنها محدودة الأثر مقارنة بما يمارسه الغرب».
فلسطين حقيقة
وفي تعقيبه على المشارك ربيع كبارة، يرى رفيق نصرالله أن الإعلام لن يكون أداة تغيير فعَّالة من دون رؤية أيديولوجية واضحة ودولة قوية ومؤسسات مستقرة، ويجب على الجيل الجديد الابتكار لتغيير الواقع.
وحول فلسطين، أكد أنها المستقبل والنضال، وأن الدولة الفلسطينية ستقوم، رغم التحديات واحتمالية التصعيدات العسكرية والإقليمية.
وحذَّر الجيل الجديد من تقنيات الذكاء الصناعي، لأن العالم لم يتهيأ بعد لمواجهة السيطرة التكنولوجية، مشدداً على أن الفرصة تكمن في المشاركة الفاعلة في إنتاج التقنية، لا الاكتفاء بالاستهلاك.
يُذكر أن «الجوهر» للتدريب الإعلامي هو البرنامج الأول من نوعه في المنطقة، وقد أطلقته أكاديمية لابا- لوياك عام 2020، بهدف تمكين الشباب العربي من أسس إعداد وتقديم حلقات حوارية ناجحة، وتدريبه على أبجديات الإعلام على يد نُخبة من الإعلاميين العرب المحترفين، وتتوج الورش التدريبية بمحاورة ضيوف رياديين تركوا بصمة واضحة في شتى المجالات بالوطن العربي، حيث بلغ عدد ورش «الجوهر» التدريبية حتى اليوم 62 ورشة، وزاد عدد مستفيديه على 535 مستفيداً، وينفذ البرنامج برعاية شركة المركز المالي الكويتي (المركز)، وجريدة الجريدة، وشركة الصناعات الهندسية الثقيلة وبناء السفن (هيسكو)، وفندق فوربوينتس شيراتون.الإعلام القديم اتسم بالمصداقية والحرفية والرصانة أما الحالي فيعاني ضعفاً ثقافياً وسياسياً