العدوان على الدوحة... أين نحن من التاريخ؟

نشر في 01-10-2025
آخر تحديث 30-09-2025 | 19:05
 د. حمد أنور الثنيان

يعلّمنا التاريخ أن القوة تردع الشر، والضعف يدعوه. وها نحن اليوم، رأينا الشر يطل برأسه في سماء الدوحة، حيث تجرأت إسرائيل، في التاسع من سبتمبر الماضي، على انتهاك سيادة قطر، تلك الدولة الوسيطة التي فتحت أبوابها للمفاوضات بطلب أميركي وإسرائيلي. هذا العدوان ليس مجرّد حدث عابر، بل جرس إنذار يدوّي في عواصمنا الخليجية: إن لم نتحرك اليوم، فمتى؟

إن ما فعلته إسرائيل في الدوحة ليس وليد اللحظة، بل نتيجة سنوات من الصمت الدولي الذي أغراها بالتمادي. في غزة، حيث سالت دماء أكثر من خمسة وستين ألف إنسان وأصيب مئة وسبعون ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، كما تقول إحصاءات الأمم المتحدة، رأينا إسرائيل تزرع الموت وتحصد الصمت.

الدوحة لم تكن سوى فصل جديد في كتاب انتهاكاتها، فهي تضرب عرض الحائط بكل قانون دولي، وكأنها تقول للعالم: «أنا فوق المحاسبة».

لكن لننظر إلى الهدف: إفشال مفاوضات السلام التي استضافتها قطر، ليبقى نتنياهو يقرع طبول الحرب، متمسكًا بكرسي السلطة ومبشّراً بمشروع «إسرائيل الكبرى».

أما الهدف الثاني، فهو رسالة وقحة إلى دول المنطقة: «لا مكان آمن، حتى لو كانت فيه قواعد أميركية». فشلت إسرائيل في إفشال المفاوضات، لكنها نجحت في زعزعة ثقتنا بالولايات المتحدة الأميركية. أليس هذا درسًا لنا، نحن أبناء الخليج، لنعيد قراءة التاريخ؟

لا يمكن أن تمرّ طائرة إسرائيلية فوق أجواء سورية والعراق ومياه الخليج دون علم واشنطن. هذا ليس تخمينًا، بل حقيقة تفرض نفسها. نتذكر عام 2019، عندما ضربت إيران منشآت بقيق وخريص وناقلات النفط قبالة ساحل الفجيرة، وسألنا حينها: أين القواعد الأميركية التي نراهن عليها؟ واليوم، نكرر السؤال ذاته، لكن مع مفارقة أشد مرارة: الاعتداء الإسرائيلي تم بضوء أخضر أو أصفر أميركي، رغم نفي إدارة ترامب.

العلاقة مع واشنطن ليست بسيطة، فهي شريك في مصالحنا. لكن التاسع من سبتمبر ليس مجرد تاريخ، بل نقطة تحوّل في نظرتنا إلى الحلفاء. أليس من الأجدى أن نبني قدراتنا الذاتية، بدلاً من انتظار حماية من لا يحمي إلا مصالحه؟!

قد تتباين دول الخليج في بعض سياساتها، لكنها تتحد على الأمن والاستقرار. إن أزمة الدوحة هي صرخة تدعونا إلى الوحدة، لأن الأمن الخليجي واحد، كما كان دائمًا في لحظات التحدي. لقد علّمتنا التجارب، منذ حرب الخليج إلى اليوم، أن قوتنا في اتحادنا. هذه الأزمة ليست نهاية، بل بداية لإعادة بناء أنفسنا كأمة قادرة على حماية مصيرها.

لنبدأ من اليوم بثلاث خطوات واضحة، الأولى، تعزيز القدرات الردعية لقوات درع الجزيرة، يقوم على تكامل عسكري خليجي وصناعات دفاعية محلية بالتعاون مع أي طرف دولي قادر وراغب. الثانية، توجيه ثرواتنا السيادية نحو مشاريع استراتيجية، كالبنية التحتية ومراكز المعلومات، لتعزيز استقلاليتنا الاقتصادية. الثالثة، فتح أبوابنا أكثر للشرق، حيث مركز الثقل الجديد للاقتصاد العالمي.

ما تقرره دول الخليج اليوم ليس مجرد رد على عدوان إسرائيل، بل هو بناء مصير أمة، يرسم خطى التوازن الإقليمي لعقود قادمة.

* قسم العلوم السياسية/ جامعة الكويت

back to top