قوة مالية بلا صناعة عسكرية
في عالم تتسارع التحديات الأمنية والاقتصادية، تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام مفترق طُرق حقيقي. فهي من أكبر المُنفقين على الدفاع عالمياً، حيث يصل إجمالي إنفاقها العسكري إلى نحو 130 مليار دولار سنوياً، أي أكثر مما تُنفقه فرنسا وتركيا وإيران والسويد مجتمعة، وكُل هذه الدول مشهورة بتصنيع السلاح، فمثلاً فرنسا ثاني أكبر دولة تصديراً للسلاح في العالم. ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: كيف تحمي هذه الأموال الأوطان إذا لم ترتبط بقاعدة صناعية عسكرية قوية؟ التاريخ علَّمنا أن القوة المالية وحدها لا تكفي لحماية الدولة، ولا حتى شراء السلاح فقط، فهناك دول تُريدك أن تكون ضعيفاً وبحاجة إليها باستمرار، ونحن دول غنية بالموارد، لكنها ضعيفة صناعياً، فتُصبح عُرضة للتقلبات العالمية وفقدان السيطرة على أمنها. ورغم هذا الإنفاق الضخم، تظل الصناعات العسكرية بدول مجلس التعاون الخليجي محدودة، مقارنة بالإنفاق الضخم جداً.
الحل لا يكمن في مجرَّد زيادة الإنفاق لشراء الأسلحة فقط، بل في تحويل هذه الأموال إلى استثمار استراتيجي حقيقي، بتطوير الصناعات العسكرية المحلية.
يمكن لدول المجلس أن تتحوَّل من مستهلكة إلى منتجة للسلاح، وتسرع من امتلاكها التكنولوجيا، بسبب الموارد المالية الضخمة، وتضمن استقلاليتها الدفاعية، وتخلق فرصاً لتصدير التكنولوجيا العسكرية لدول شقيقة، مما يُعزز مكانتها الإقليمية والدولية. كما أن بناء قاعدة صناعية قوية يمكن أن يجعل الخليج نواة لتحالفٍ أكبر مع دول إسلامية وعربية، قادر على حماية الأمن المشترك، والاستفادة الاستراتيجية من الثروات الطبيعية الهائلة.
اليوم أمام دول مجلس التعاون الخليجي فرصة تاريخية لصُنع واقعٍ جديد. أمن الأوطان لم يعد يعتمد فقط على الأموال، بل على القُدرة على التحوُّل من قوة مالية إلى قوة صناعية مستقلة.
كل يوم يمر من دون تطوير صناعات عسكرية محلية هو يوم تضيع فيه فرصة لتأكيد السيادة وحماية الأجيال القادمة.
الاستثمار في التصنيع العسكري ليس خياراً، بل ضرورة وجودية، لأنه يحوِّل الميزانية الضخمة إلى حصنٍ متين يحمي أمن المنطقة، ويضمن بقاء دول المجلس في الصدارة العالمية كقوة لا تُستهان بها، والتصنيع يساوي الكرامة.