تسوُّل الاهتمام

نشر في 20-08-2025
آخر تحديث 20-08-2025 | 12:13
 د. عبدالله غليس

اثنان ثقيلان على النفس، نازحان عن القلب، بغيضان إلى الروح، الأول: الذي إذا التقى بك صدفةً قال: «أين أنت، لا نراك؟»، مع أن رقم هاتفك عنده، ويعرف كيف يتواصل معك لو أراد، لكنه يُلقي عليك سؤاله هذا المليء بالنرجسية المُثقل بالتعالي، ليُوحي إليك بأنه صاحبُ حقٍّ بزيارتك له، وأن التماس رضاه واجبٌ عليك، وأن وصله مُقدَّم على ما أنت فيه من مشاغل الدنيا، وأنك قصَّرت في هذا كله!

والآخر: الذي إذا عَلِمَ بأمرٍ استجدَّ في حياتك- كالخطبة أو الزواج أو التخرُّج أو ما شابه ذلك- قال: «لم تقل لي»، أو «لم يخبرني أحد»، فيُلقي عليك تهمة التقصير، مع أنك ما زلتَ تتلقَّى التبريكات، ويطلب منك تخصيصه بالسبق، مع أنك في زمنٍ كثر فيه القرائبُ والمعارفُ من الغرائب، ولن يحيط بإخبارهم إلا ما تعارف عليه الناسُ في هذه الهواتف النقالة، وسيأتيه الخبر كما أتاه، لكنه يقول ذلك مُوحياً إليك بما أوحاه صاحبه الأول، فباعث المُعاتبة عند الاثنين واحد، وهو ممارسة «تسوُّل الاهتمام»، وتعاطي النَّكَد، ولو كان هذا الصنف من البشر سويَّاً لما ظن أن تقديرَ الناس له لا يأتي إلا بالاتهام والتغشم، وهي التي تجلب المشاحنة، وتوغر الصدور، وتستدعي التباغض، وتخلق الفرقة، وكان التلطُّف أهون وأقل كُلْفةً في مثل هذه المواقف العابرة، ولكن الجاهل لا يترك موقفاً إلا ويصنع له فيه عدوَّاً! وقد حذَّرتِ العربُ قديماً من العتاب، فقالت: العتاب يبعث التَّجني، والتَّجني ابنُ المحاجَّة، والمحاجَّة أخت العداوة، والعداوة أم القطيعة. وقالوا: العتابُ رسول الفرقة، وداعي القِلَى (البغض)، وسبب السلوان، وباعثُ الهجران.

back to top