بدون مجاملة: ذباب على مدار العام
كان الناس يشكون تكاثر الذباب في مواسم معينة من السنة، ونقرأ ذلك في التقويم، ونجد الانزعاج، وتحصل المكافحة لهذه الحشرة المتطفلة سيئة السمعة، لقذارتها ونقلها للأمراض. ثم تأتي طُرفة، بأن الذبابة عمرها 14 يوماً، وأنت أيها الإنسان لا تستطيع تحمُّلها، وتريد أن تُنهي حياتها القصيرة.
الذباب حشرة مكروهة تتجمَّع على القمامة، تجدها في أي مجلسٍ أو مرفق، تحط على الوجوه، وتتنقل بين الأطعمة وجميع الأسطح. ظهر لدينا مصطلح «الذباب الإلكتروني» مع اعتماد الحياة والنشاط والتفاعلات الاجتماعية والأخبار على وسائل التواصل. هجمت أسراب من هذا الذباب - التخيلي - على المواقع، وأثبتوا وجودهم - الحقيقي - في كل المواضيع.
نعم، الذباب الإلكتروني يقتحم أكبر المواضيع وأتفهها، قضايا السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، لينفث سمومه وأسقامه وسط عامة الجماهير وخاصتهم. وهو نشط طوال العام، لا ينقطع، ولا يهدأ، ولا يكسل، ولا يتراجع.
الذباب الإلكتروني جيش فوضوي ينتشر في كل الاتجاهات، يندس ويلعب جميع الأدوار، يتحدَّث بلغات ولهجات (متقنة أو ركيكة)، يشكِّك الشعوب في قياداتهم، يستهزئ بالقوميات والأنظمة، يطعن بين فئات المجتمع، أو يفتعل أزمة من لا شيء، ويسعى إلى إقناع الناس بها، كظاهرة اجتماعية غير موجودة فعلياً، أو حالة فردية أو شاذة يسلِّط عليها الضوء، ويُثير الهلع والقلق بتحقير دور الرقابة والأمن. ينفي وجود الأخلاق، ويذم الزمن، أو يروِّج لأفكار دخيلة، ويعتبرها تطوراً! يزدري الجهود والإبداعات، ويحرض على التمرُّد، ويتهم المسؤولين بالتقصير وتضييع الأمانة، يُشعل البلبلة... يؤدي دوره، وهذا هو المطلوب فحسب! لا يقدِّم الحلول، ولا يقترح الأفكار المفيدة، لا يتلمس الخير، ولا يدعو بصلاح الحال، ويعلم جيداً تأثر الناس بالتعليقات - واستنساخها - فيعمل جاهداً على تحويل المواقف إلى سلبية وتبرُّم وشكوى.
الذباب الإلكتروني تسرَّب بشكلٍ سلس جداً، واجتاح وأثَّر، لسهولة التسجيل والاستخدام فيما يتعلَّق بالمجال الرقمي والإلكتروني، فهي خدمات مجانية ومتاحة في معظم الأقطار، ولا تتطلَّب إثباتات رسمية.
لقد سمع كل مُستخدم لمواقع التواصل عن هذه المجموعة الفاسدة المفسدة، وعلينا أن نحذر وننتبه، ونترفَّع عن الخوض معها والانسياق لما تهدف إليه، فلا نسمح لها بأن تخترق نفسياتنا وأفكارنا ومجتمعاتنا، وأن نقوم بواجب التبليغ والحظر لهذه الحسابات المدمرة، ولا نتهاون أو نتجاهل.
مكافحة الذباب الإلكتروني سهلة، وهي وعي وأمانة، وتتم بضغط زر.