صاحب «البتراء»... داهية العرب زياد بن أبيه

نشر في 18-07-2025
آخر تحديث 17-07-2025 | 17:22
 أنفال الذياب

ورد في المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية معنى كلمة داهية، فهي مشتقة في الأصل من دهى دَهاءً ودهياً ومعناها بَصُرَ بالأمر وجاد رأيه فيه فهو داهٍ والجمع دُهاة.

وقد قيل قديماً إن للعرب دهاة أربعاً لا خامس لهم، هم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، الغريب في الأمر أن الأربعة جميعاً تواجدوا في نفس الحقبة، فقد عاصروا الإسلام ودخلوا تحت مظلته، والعجيب أنه لم يرد في تاريخ العرب ذكر لأي شخصية عربية امتازت بالدهاء، لا قبل هذه الحقبة ولا بعدها، فالقائمة ظلت ثابتة رغم تغيّر أحوال العرب على مر الزمان.

وبمجرد إلقائنا نظرة خاطفة على تلك الأسماء سندرك على الفور أنها تعود لشخصيات عاشت أو ولدت في زمن النبوة، بل إن معظمهم في الحقيقة يعد من الصحابة المهاجرين الأخيار، رضوان الله عليهم، وتعود أصول هؤلاء الرجال إلى قبيلتين عظيمتين، هما قريش وثقيف، بمعنى أن جميع هذه الشخصيات تنحصر جغرافياً في إقليم الحجاز، وتحديداً في إحدى القريتين، إما مكة أو الطائف، هذا من ناحية النشأة والانتماء، أما من ناحية النسب فسائر الدهاة يعدون من أعلى وأشرف القبائل العربية نسباً، باستثناء أبوالمغيرة زياد بن أبيه، الذي ولد مجهول الأب، فلم يعرف من هو والده، وكان ذلك في العام الأول من الهجرة، أما أمه فهي سمية، وقد كانت جارية للحارث بن كلدة، وقد أسلم في زمن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فهو لم يلق رسول الله، ولم تكن له صحبة، وعلى الرغم من واقعه الاجتماعي المرير الملطخ بالعار، فقد استطاع ابن سمية أن يبني نفسه بنفسه، ويظهر على الناس كرجل دولة فذ وخطيب بليغ مفوه تطرب بسماعه آذان العرب.

عمل كاتباً لأبي موسى الأشعري، وعينه بعد ذلك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، نائباً له في إقليم فارس، ولما قتل أمير المؤمنين علي عادت العيون لتحوم حوله، فمنذ زمن طويل كان هناك من يرقبه باهتمام بالغ من ناحية دمشق، فلم تكن تخفى على ألمعية معاوية بن أبي سفيان فطنة ودهاء زياد السياسي، فرأى أن يسترضيه حتى يكون تحت طوعه، ويشد به أركان حكمه، فاستلحقه بأبيه الذي كانت له علاقة مع سمية في زمن سابق، ورغم استنكار العامة لما قام به معاوية نودي في البلاد أن زياد هو ابن أبي سفيان، الأخ غير الشقيق لأمير المؤمنين.

عمد معاوية إلى توليته البصرة، لما فيها من فساد وفوضى، وهناك ألقى خطبته الشهيرة «البتراء»، التي تعتبر من روائع الأدب العربي، لما تضمنته من ارتجال وبلاغة وشدة صارمة في إدارة شؤون الدولة، ولما استقرت له الأمور في العراق تاقت نفس زياد إلى حكم الحجاز، فبعث لمعاوية يخبره: إني ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة.

عرف عن زياد شدته حتى قيل إنه أفتك من الحجاج، إلا أنه على الرغم من قوته وبطشه، ساد الأمن والاستقرار في العراق، وقلّت فيه حركة الخوارج، فقد هابه الناس وخضعوا لسلطانه، فظل يحكمه أثناء زمن معاوية حتى أصيب بالطاعون، وتوفاه الله وهو في العقد السادس من عمره.

back to top