الكويت من الدولة إلى الإمارة - الدكتور أحمد الخطيب يتذكر - الجزء الثاني (6)

نشر في 07-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 07-09-2008 | 00:00
السادات حرَّض جابر الأحمد على يساريي الكويت فكان رده أنا أعرف الكويت أكثر منكم... فهاجمته الصحف المصرية
إهداء إلى شابات وشبّان الكويت الذين يعملون على إعادة الكويت إلى دورها الريادي في المنطقة.

إلى أولئك الذين يسعون إلى بناء مجتمع ينعم فيه المواطن بالحرية والمساواة تحت سقف قانون واحد يسري على الجميع، ويكون هدفه إطلاق إبداعات أبنائه لا تقييدها باسم المحافظة على عادات وتقاليد هي جاهلية في طبيعتها

ولا تمتّ بصلة إلى الدين ولا إلى ما جبلت عليه الكويت منذ نشأتها من تعلّق بالمشاركة في السلطة، ثم الالتزام بدستور 62 الذي قنن هذه الطبيعة الكويتية.

إلى الشابات والشبّان الذين يحلمون بمستقبل مشرق للكويت يعيد دورها الرائد في محيطها، كي تنضم إلى عالم العلم والمعرفة، الذي أخذ ينطلق بسرعة هائلة لا مكان فيه للمتخلّفين.

إلى هؤلاء جميعاً أهدي هذا الكتاب.

العلاقة مع الشيخ جابر الأحمد

كانت ظروف مجلس (75) مختلفة عن ظروف مجلس (71) لأن جميع قوى المجتمع شاركت في هذه الانتخابات. وشاع جو من التعاون الحذر في البدء وتطور إلى تعاون مثمر في القضايا التي تهم البلد. وتم استبدال اللقاءات الفردية مع أطراف النظام في بعض القضايا العامة، وهو ما أشرت إليه سابقاً، بتعامل المجلس كله مع الحكومة. وطرأ في الوقت نفسه فتور في العلاقة بيني وبين الشيخ جابر الأحمد. لا أريد أن أصدر حكماً على من كان المتسبب بها ولكن سأسرد أحداثها من دون أن أجزم بأسبابها.

في فترة التعاون كان لقاؤنا سهلاً، ولكن بعد مدة وأثناء زيارة علي ناصر رئيس مجلس الوزراء في اليمن الجنوبي حصلت إشكالية شعرت أنّ من واجبي أن أتدخل لحلها نظراً إلى معرفتي بأن أطرافاً في وزارة الخارجية لم تكن ترغب في حصول هذه الزيارة. اتصلت بمكتب رئيس مجلس الوزراء فقيل لي إنه غادر المجلس. وكان ذلك طبيعياً فهو سوف يرد عليّ كالعادة، لكنني فوجئت بوزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء يتصل بي بعد ربع ساعة تقريباً ليقول لي إن رئيس الوزراء «Not available» قالها باللغة الإنكليزية، وإنه - أي وزير الدولة - مستعد للمجيء إليّ حالاً بدل اللقاء مع رئيس مجلس الوزراء.

أنا فهمت من ذلك أن رئيس الوزراء لا يريد مقابلتي وشكرت وزير الدولة لاتصاله وقلت له لا حاجة إلى ذلك. وكان ذلك هو آخر اتصال لي برئيس مجلس الوزراء حتى وفاته، ما عدا بعض المناسبات في الحفلات الرسمية التي تقام لرؤساء الدول الذين يزورون الكويت. وفي لقاء في مجلس الأمة مع الشيخ صباح الأحمد - وزير الإعلام آنذاك - أثرت هذا الموضوع فأوضحت القصة له لعله يتأكد من صحة الرسالة التي وصلتني. عندئذ استغرب ذلك ووعد بأنه سوف يستوضح الأمير، إلا أنه، لم يفتح الموضوع مرة ثانية. وهكذا انتهت هذه العلاقة المميزة. وقد اتضح لي فيما بعد أن ذلك كان بتدبير من بعض أفراد الأسرة الذين ما كانوا يرتاحون لهذه العلاقة. وأترك التفاصيل للوقت المناسب.

الشيخ جابر الأحمد هو أكثر أفراد العائلة انفتاحاً بعد عبدالله السالم، فهو الذي فاجأ شركات النفط بقراره العلني بإنصاف عمال النفط كما ذكرت. وفي منتصف الخمسينيات هو الذي أفرج عن جريدتنا «الفجر» عندما أغلقها وزير الاعلام. وهو الذي كنا نجتمع معه في «الجوهرة» (بيته في دسمان) أنا ويوسف إبراهيم الغانم وجاسم القطامي لبحث أي دستور يصلح للكويت. ومعروف عنه علاقته بمجموعة من الشباب الكويتي الخريجين وأغلبهم من العناصر الطيبة فيما كان يسمى بجماعة «الشبرة» وتسلم بعضهم مناصب قيادية في الدولة، إلى درجة أنه اتصل ببعضهم مشجعاً على تشكيل تكتل سياسي يكون له عوناً في تنفيذ الخطوات الإصلاحية المطلوبة. ولا ننسَ أن الشيخ جابر الأحمد، عندما كان وزيراً للمالية كان له اتصال مباشر بالبنك الدولي وصندوق التنمية الكويتي، وكان يلتقي بفطاحل الاقتصاديين العالميين، وكان لعبداللطيف الحمد رئيس صندوق التنمية الكويتي، وهو الشخص المميز ذو العلاقات الجيدة مع هذه الأوساط العالمية، نشاطات دولية للتنمية في الدول الفقيرة سواء للمساعدة أو للتأهيل بسبب الدور المهم للصندوق الكويتي للتنمية، مما أتاح لجابر الأحمد أن يحتكّ بهذه الشخصيات ويكتسب خبرة نادرة في المجال الاقتصادي، وبالتالي لعبت الكويت دوراً عالمياً مميزاً مما أكسبها احترام هذه المؤسسات الدولية. ولعل اقتراح جابر الأحمد على هذه المؤسسات أن تلغي جميع ديونها على الدول الفقيرة دليل على هذا التوجه.

إلا أن صعوده السياسي في الكويت لم يكن سلساً. فهو خسر معركة الإمارة عام 1962 لمصلحة الشيخ صباح السالم كما أسلفنا. وتحالفه مع التجار الوطنيين في مجلس 1963 أطاح به الشيخ جابر العلي عام 1964. هذا التهديد من جابر العلي جعله يتحالف مع الشيخ سعد العبدالله في هندسة الانتخابات المزورة عام 1967 عندما شعر هو نفسه بتهديد من جابر العلي لطموحه في ولاية العهد كما اتضح.

لكنه، كما سبق أن أشرت، لم ينجرف تماماً مع الشيخ سعد العبدالله. فبيانه الشهير الذي كان عبارة عن نقد ذاتي قبيل انتخابات مجلس 1971 أغضب سعد العبدالله، فأوعز إلى جماعته في المجلس أن يحدثوا زوبعة غاضبة على هذا الخطاب، لكن ذلك لم يؤثر كثيراً في جابر الأحمد وتمت الانتخابات في وقتها وبحرية معقولة من دون تدخّل سافر من السلطة كالعادة. وقد فوجئت عندما كنت أبحث معه بعض الأمور الحسّاسة ويتخذ قراراً بشأنها أنه لا يطلع سعد العبدالله عليها. حتى أنني في إحدى المرات سألت سعد العبدالله ألا تتحادثان في مثل هذه الأمور؟ صمته الحزين أكد لي شكوكي في هذا الموضوع.

السادات وجابر الأحمد

كان الوزراء الملتصقون بالشيخ جابر الأحمد يثنون على حزمه في تنفيذ ما يقتنع به، لكنه في بعض الأمور التي قد تسبب له حرجاً أو مشكلة للكويت لا يتخذ قرارا،ً لأنه يخشى أن يلام على قرار لا يكون صائباً، والحذر الشديد يشل العمل في كثير من الحالات.

كان السادات يعتقد أن سبب العداء لسياسته بالنسبة للقضية الفلسطينية في الكويت، بسبب تأثير القوميين والناصريين على الحكومة، وأن هذه المعارضة هي شيوعية فأرسل رسولاً إلى جابر الأحمد الصباح يطلب منه أن يقضي على هؤلاء الشيوعيين كما فعل هو في مصر. فكان رد جابر الأحمد واضحاً وحاسماً: «أنا أعرف الكويت والكويتيين أكثر منكم ولا وجود للشيوعيين في الكويت». هذا الموقف جعل بعض الصحف المصرية تشنّ حملة شعواء على جابر الأحمد وتسمّيه بالأمير الأحمر والشيوعي، متناغمة بذلك مع ما طرحته الاستخبارات المركزية الأميركية في كتابها «KGB» المفبرك عن نشاطات الاستخبارات الروسية، إذ ذكرتْ أنني أنا التاجر الكويتي الثري العميل للاستخبارات الروسية، قد أثّرت في جابر الأحمد الصباح وأقنعته بقطع المساعدات عن الأردن. علماً أنه في تلك الفترة لم تكن لي أي علاقة مع جابر الأحمد الصباح لأنها فترة المجلس المزور كما ذكرت سابقاً.

بالمناسبة، هذا الكتاب «KGB» صدر عام 1973 عن مجلة Readers Digest الأميركية ومجلة Express الفرنسية وكتبه John Barron. وهذه الأسماء كلها كما يبدو واجهات للاستخبارات المركزية الأميركية.

بالطبع، حاولت حينئذ أن أقيم دعوى على هذه الجهات المسؤولة عن الكتاب فوجدت أن التكاليف المالية للمحامين فوق طاقتي، فتركت الموضوع قائلاً: «الله يجازيهم».

كل هذه الأسباب جعلتني أفهم الحذر عند الشيخ جابر الأحمد في التصدي لبعض المواضيع كتأميم النفط.

هذه الحملة الظالمة التي تعرض لها من قبل هذه الصحف المصرية واللبنانية وتحذيرها من «دفرسوار» آخر في الخليج وتسميته بالأمير الأحمر هو ما جعله يتردد في اتخاذ قرار بتأميم النفط كما ذكرت سابقاً.

محاولة اغتياله التي نجا منها بأعجوبة أثرت كثيراً في تصرّفاته. لقد رأى الموت بأم عينيه وحمد الله على النجاة، فزاد وَرَعه الذي عُرف عنه ورغبته في المساهمة في عمل الخير، وهنا اغتنمت الفئات الدينية هذه الفرصة وكان سهلاً عليها أن تؤثر في سلوكياته.

وما شجّع على ذلك أنه حصل في مرحلة كانت معظم الأنظمة العربية تتحالف مع القوى والأحزاب الدينية على مستوى المنطقة العربية. وكان لذلك تأثير واضح في الكويت، فقد تم فتح كل أبواب الدولة أمامها. وجابر الأحمد نفسه كان وراء إنشاء بيت التمويل الكويتي وتسليمه للإخوان المسلمين بعد أن تم إعفاء هذا البنك من جميع القيود التي تشترطها الدولة لأية مؤسسة اقتصادية أو مالية. وبقرار منه تم إنشاء كلية الشريعة، وتشكّلت لجنة استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية تحت إشرافه. وبعد وفاته كشف بعض زعماء هذه الأحزاب عندما رثوه عن ملايين الدنانير التي كان يتبرع بها لدعم أعمالهم خارج الكويت.

ولكن بالرغم من كل ذلك فقد كانت تصلني رسائل تظهر بأنه لا يزال يقدّرني. فقد كنت ألمس منه حرارة زائدة في كل استقبال أو لقاء، وعندما التقيناه كنواب ممثلين لمجلس 1992 طلبت إليه أن يكون حكماً بين المجلس والحكومة وألا ينحاز إلى أحد فشكرني كثيراً وأمسك بيدي مطولاً عند خروجنا ليؤكد تثمينه لما قلته. وكنت ألتقي الشيخ ناصر المحمد الصباح وزير الديوان الأميري في ديوان الصقر أحياناً، وينقل إليّ اهتمام الشيخ جابر الأحمد بما أقوله وحرصه على أن يسمع كل شيء سواء كان اقتراحاً أو انتقاداً. وكنت أعتقد أن ذلك مجاملة من الصديق ناصر المحمد ليس إلا، وهو المشهور عنه دماثة أخلاقه. ولعل دراسته في سويسرا وعمله كسفير سابق أثّرا في سلوكه المميز، لكن حادثة حصلت أكدت لي صدق ما ينقله إليّ. ففي يوم الاثنين عندما أنتهي من عملي في العيادة مساء أمرّ على ديوان الصقر في معظم الأحيان بحكم العلاقة المتينة التي تربطني بهذه العائلة الطيبة والصداقة المميزة مع المرحوم عبدالعزيز الصقر.

وكنت قد عاينت مريضاً هندياً اكتشفت أنه يعاني مرضَ «Scurry» وهو ينشأ بسبب سوء التغذية. كنا كأطباء نراه في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات وخصوصاً عند الذين يضيعون في البحر وينفد منهم الأكل، لكن هذا المرض انقرض تماماً في وقت لاحق. ولذلك كان مفاجئاً أن أرى هذا المرض في الكويت البلد الغني. سألته عن وضعه فأخبرني أنه يعمل في إحدى شركات النظافة براتب قدره (20) ديناراً شهرياً. وعليه أن يدبر مسكنه وأكله وأن يرسل إلى عائلته مبلغاً شهرياً لتسديد الدين الذي توجّب عليه لكي يحصل على فيزا وعمل في الكويت. وبالتالي فإنه مضطر إلى تقليص مصاريف الأكل. هذه الحادثة هزّتني كثيراً. كيف يمكن لهذا أن يحدث في بلد كالكويت؟ وكنت حزيناً، وأخبرت عبدالعزيز الصقر بهذه المأساة. وكان ناصر المحمد الصباح بالقرب منا، هو على يسار عبدالعزيز الصقر وأنا على يمينه كالعادة. وفي اليوم التالي وكان يوم الثلاثاء، موعد الجلسة الأسبوعية للمجلس، حضرت مبكراً كالعادة وكنت جالساً أتفقد أوراقي وإذا بوزير الشؤون الاجتماعية والعمل يجلس بقربي ويقول لي: لماذا اشتكيتني عند الشيخ جابر الأحمد؟ فقد أرسل إليّ هذا الصباح، وعبّر عن انزعاجه لمعاملة العمال غير الكويتيين، وطلب إليّ أن أضع حداً أدنى للأجور هو (70) ديناراً في الشهر. اعتذرت إليه وقلت له إنني لم أتصل بجابر الأحمد إطلاقاً، لكني ذكرت هذه الحادثة البارحة لعبدالعزيز الصقر وكان رئيس الديوان الأميري حاضراً ولعله هو مَن نقل هذا الكلام إلى الأمير.

وفي اللقاء التالي في ديوان الصقر أخبرني ناصر المحمد الصباح أنه نقل كلامي إلى الأمير الذي غضب لذلك فكلفه باستدعاء الوزير وتحميله مسؤولية ذلك، وأمره بألا يتردد في تنفيذ أي شيء أطلبه.

الاحترام

حادثة أخرى رأيت فيها التوجه نفسه: لم تكن تربطني بالشيخ سالم صباح السالم علاقة جيدة، بسبب تصرّفه معنا أثناء حل مجلس 86 وكان وزيراً للداخلية، وكنت أرى أن ما قام به كان خطأ، سواء لجهة طريقة اعتقالنا أو لجهة طريقة معاملته لنا أثناء الاعتقال، أو للإجراءات القاسية ضد تجمعات الاثنين كاستعمال الكلاب البوليسية وإطلاق قنابل الغازات المسيلة للدموع علينا حتى داخل ديوانية الفضالة بالعديلية (مع أن صالح الفضالة ليست عنده مشكلة مع النظام) وقوله في ديوانيته بأن أجهزته تسجل أحاديثنا ليس في دواويننا فقط بل حتى في غرف النوم. محاولة تبريره هذه الأفعال الشائنة بأنه عبد مأمور لمن هم فوقه من العائلة غير مقبول إطلاقاً، هذا ما قاله لنا عندما زارنا في الطليعة ليسوّق نفسه أميراً للكويت! لم أحضر أنا هذا الاجتماع، لكنه أصر على مقابلتي عبر أحد الأصدقاء، وإرضاء لهذا الصديق قلت له لا بأس فليأتني إلى بيتي. لم يتردد في قبول هذا العرض. وهكذا جاءني مساءً إلى البيت وسلّم وبعد بعض المجاملات بدأ كلامه ينصبّ أنه أصلح للإمارة، كنت أتوقع منه أن يعتذر عما صدر منه بحقي ولكنه لم يفعل ذلك.

عند انتهائه من حملته سألته ما الغرض من هذه الزيارة، فاجأني بالقول بأنه يريدني أن أذهب إلى الأمير وأرشّحه هو لولاية العهد، فقلت له إنني لم أرَ الأمير لسنين عدة، قال: لكن نحن نعرف أن الأمير يحترم رأيك وأن هناك اتصالاً دائماً بينكما عبر وزير الديوان الأميري ناصر محمد الصباح.

وأذكر مرة أنه اتصل بالطليعة أحد أبناء الأمير وناشدهم عدم انتقاده هو، وإذا كان هناك أي ملاحظة فليتصلوا به شخصياً لأن الأمير ألقى عليه نظرة غاضبة بعد أن نشرت الطليعة انتقاداً له وهي الجريدة التي كان الأمير يحرص على وصولها إلى مكتبه في الصباح الباكر. فالديوان الأميري يرسل شخصاً من قبله إلى المطبعة ليأخذ أول عدد يُطبع مع أننا نرسل المجلة له في الصباح الباكر.

لقد شعرت وغيري آخرون ممن يعرفون الشيخ جابر الأحمد بأن محاولة الاغتيال وتقدّمه في السن أتاحا الفرصة للشيخ سعد العبدالله أن يستأثر أكثر وأكثر بالسلطة ويحقق طموحه في الحكم المنفرد. فهو لم يكتف بكل خطواته لإفساد العملية الديمقراطية ومحاولة وأدها في كل مناسبة، بل لم يستثنِ عائلة الصباح كذلك من سطوته. فأول قرار اتخذه بعد تنصيبه ولياً للعهد هو إلغاء اجتماع العائلة الأسبوعي الذي بدأ آخر أيام عبدالله السالم. وهو اجتماع للعائلة كان يحصل كل اثنين، ويترأسه وليّ العهد لبحث أمور العائلة وغيرها.

ثم اقتصر الاجتماع على «كبارية» العائلة، وعددهم نحو خمسة، ثم تحول العدد إلى اثنين هو والشيخ صباح الأحمد بدعم من الشيخ جابر الأحمد. ففي أثناء تشكيل الوزارة عام (1999) طلب الشيخ جابر الأحمد إلى الشيخ سعد العبدالله تشكيل الوزارة بالتعاون مع الشيخ الشيخ صباح الأحمد. عقد الاثنان عدة اجتماعات وفي النهاية اتفقا على قائمة واحدة نحو الساعة (12) ظهراً. وذهب الشيخ صباح الأحمد إلى البيت وفي الطريق اتصل برئيس الديوان الأميري الشيخ ناصر المحمد يقول له إنهما انتهيا من وضع الأسماء وإن القائمة بالطريق إليكم. لكنه فوجئ عندما قال له الشيخ ناصر المحمد إن القائمة وصلت من الشيخ سعد العبدالله هذا الصباح وإن الأمير وقّعها وسوف تذاع بعد قليل. هنا انتاب الشيخ صباح الأحمد الغضب وقفل راجعاً إلى الجوهرة في دسمان ليخبر الأمير بما حصل. وأستطيع أن أستنتج ما حصل وأصدّق ما روي عن هذا اللقاء العاصف.

المبادرة

وحادثة أخرى أذهلتني وكانت شديدة الدلالة، إذ بعد تحرير الكويت انهمك الكويتيون في التفتيش عن المفقودين من أبنائهم، وكانت هناك فئة مفجوعة بهذه المصائب ولم تجد جدية من قبل الحكومة في البحث عن أقربائها، فقرر أفرادها أن يعملوا مستقلين عن الحكومة واللجنة التي شكلتها، وجاء من ينصحهم بالذهاب إلى قابوس سلطان عُمان لعلاقته الطيبة مع صدام حسين وعرض الموضوع عليه من جانب إنساني ليتدخل. استحسنوا الفكرة وذهبوا إلى قابوس الذي رحب بهم وأبدى استعداده لمساعدتهم، لكنه قال لهم: «أنتم وفد شعبي وأنا حاكم وأتمنى أن يتصل بي المسؤولون عندكم». رجعوا إلى الكويت واتصلوا بالديوان الأميري ومجلس الوزراء طالبين موعداً للمقابلة، الديوان الأميري حدد لهم موعداً في اليوم التالي أما رئيس مجلس الوزراء فلم يتصل بهم. في اليوم التالي ذهبوا إلى الأمير الذي رحب بهم وقال إنه مستعد لفتح ألف باب لإيجاد باب واحد يؤدّي إلى معرفة مصير المفقودين. خرجوا من اللقاء فرحين. وبعد يومين اتصل بهم موظف من رئاسة مجلس الوزراء وقال لهم إن الشيخ سعد العبدالله يريد مقابلتهم. ذهبوا إليه ففاجأهم بهجومه عليهم قائلاً: «كيف تذهبون لمقابلة الأمير قبل مقابلتي؟». فقالوا له إنهم لم يهملوه بل طلبوا مقابلته إلا أنه لم يحدّد لهم موعداً. ومع ذلك أمرهم بالانصراف.

احتلال العراق للكويت، الذي كان مفاجئاً للأمير، زاد الطين بلّة، فقد بقي في بيته مستسلماً للقضاء والقدر رافضاً مغادرة بيته بالرغم من دخول القوات العراقية للمدينة، لكن سعد العبدالله أخذه عنوة إلى خارج الكويت لأنه هو الممثل الشرعي للكويت أثناء الاحتلال أو بعد التحرير. هذا التصرف كان له التأثير الكبير في علاقته بسعد العبدالله وهو في الوقت نفسه أثّر كثيراً في نفسيته التي اهتزت كثيراً وشلّته عن ممارسة مسؤولياته وتفرغ للصلاة والدعاء لله للعودة إلى الكويت.

صحة الشيخ سعد العبدالله بدأت تتدهور. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت في التشكيل الوزاري عام (2003) عندما تم اعتماد الوزارة التي شارك في إعدادها كل من الشيخ سعد العبدالله والشيخ صباح الأحمد ورفض الأمير التشكيلة التي انفرد بها الشيخ سعد العبدالله مكرراً الفصل السابق نفسه.

وقّع الأمير على التشكيلة المشتركة وأرسلها إلى الشيخ سعد العبدالله لتوقيعها حتى تُعلَن، (.....) خصوصاً أن ذلك تزامن مع وجود رئيس مجلس الأمّة هناك، مما دفع كل من الشيخ سالم العلي السالم الصباح والشيخ مبارك العبدالله الأحمد الصباح وهما الأكبر سناً في العائلة إلى التوجه إلى سعد العبدالله والطلب منه توقيع المرسوم لأن رفض أوامر الأمير غير مقبولة في الأسرة. وهو مخيّر إما أن يوقّع المرسوم وإما أن يُعفى من كل مسؤولياته. فوقّع المرسوم مكرهاً.

وفي الوزارة التي تلتها بتاريخ 29/10/2002، فُصِلَتْ ولاية العهد عن مجلس الوزراء، واستبعد سعد العبدالله من رئاسة مجلس الوزراء (.....). كانت القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون. وكلّف الشيخ صباح الأحمد وحده بتشكيل الوزارة التي تفاهمت بدورها مع المجلس على تنحية الشيخ سعد العبدالله عن الإمارة بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد ومبايعة الشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد.

غداً: وضع السلطة التنفيذية

back to top