المفكر السيد ياسين: الخطاب الديني الراهن يعتمد النقل متجاهلاً العقل النقدي

نشر في 19-06-2015 | 00:01
آخر تحديث 19-06-2015 | 00:01
No Image Caption
قال الكاتب والمفكر المعروف السيد ياسين إن المشكلة الرئيسة التي يعانيها العالم العربي والإسلامي تكمن في أن الخطاب الديني الحالي يقوم على النقل لا العقل، وذلك تسبب في انتشار «الخزعبلات» بين المسلمين بسبب عدم تنقية كتب الحديث. وأضاف في حواره مع «الجريدة» أن الهدف الرئيس لتجديد الخطاب الديني هو إبراز الوجه المشرق للآيات القرآنية والأحاديث لعلاج «الإسلاموفوبيا» في الغرب وتصحيح الصورة الذهنية المشوهة عن الإسلام، مطالباً بتنقية التراث الإسلامي من الشوائب والأحاديث الموضوعة، والكف عن نقل آراء قيلت في ظروف وبيئة مختلفة تماماً عن الحالية، وباستخدام التأويل بشكل صحيح... وإلى نص الحوار.
ما المقصود بتجديد الخطاب الديني؟

يقوم الخطاب الديني التقليدي على النقل لا العقل، وهذه هي المشكلة الأساسية، والدارسون في الأزهر الشريف وغيره لم يتعودوا على تقاليد العقل النقدي، بل على تقليد العقل الاتباعي، وهو اتباع ما ورد في كتب التراث سواء كانت كتباً خاصة بالأحاديث النبوية الشريفة أو التفسيرات التقليدية للآيات القرآنية الكريمة.

كيف يمكن أن يقوم الخطاب الديني على إعمال العقل؟

لا يمكن تجديد الخطاب الديني إلا بعبور الجسر من العقل الاتباعي إلى العقل النقدي ونعني بالعقل النقدي في هذا المجال بالذات تنقية كتب التراث من الخزعبلات والخرافات والمرويات غير المعقولة التي تسيء إلى المقاصد الحقيقية للإسلام، فثمة فرق بين التفسير والتأويل. التفسير هو أن تبين معاني الألفاظ الواردة. أما التأويل فهو أنك تهدف إلى الوصول إلى المعنى الكلي للنص أو الآية، ومن يقفون على حد التفسير لا يفهمون المقاصد الحقيقية للآيات القرآنية، ومن يقفون عند نقل الأحاديث مهما كانت مخالفة للعقل يقترفون جريمة كبرى في حق الإسلام المعاصر.

حديث الذبابة

ما هي المشكلة المترتبة على النقل من وجهة نظرك؟

المشكلة الحقيقية في مسألة النقل أن ثمة مرويات وأحاديث ضعيفة، خصوصاً أن هذه الأحاديث جمعت بعد أكثر من 200 عام من وفاة الرسول (ص). ثمة تأثير لضعف الذاكرة ونقل الرواة عن الرواة... إلخ، بمعنى أنه كان ثمة مجهود محمود في تجريح الرواة الكاذبين أو الضعاف... إلخ، لكن المحصلة النهائية أدت إلى تسجيل أحاديث لا يقبلها العقل. على سبيل المثال، أحد كبار أساتذة الحديث في الأزهر كتب مقالة في صحيفة الأزهر بعنوان “حديث الذبابة حديث صحيح” وأكد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال إن الذبابة في أحد جناحيها الداء والآخر الدواء، بمعنى أنه عند وقوعها في إناء تغمسها وتشرب منه، وهذا كلام مناف للعقل والصحة والذوق. هل يجوز في العصر الحالي أن ننصح أولادنا بكلام غير منطقي! لو أعمل عقله لأستبعد الحديث أياً كان سنده. كذلك ثمة أحاديث قيلت في مناسبات خاصة لا يجوز تعميمها، وثمة ما يسمى في الآيات القرآنية بأسباب النزول لا بد من معرفتها، إذ نزلت الآية لسبب معين ولا ضرورة لتعميم النص على الأزمان كافة، فربما يكون السبب متعلقاً بهذه الواقعة بالذات، فلا يجوز تعميمه وهذه مسألة العقل النقدي حين يعمل في مجال التأويل والتفسير القرآني وفي نقد الأحاديث التي ورثناها عن كتب الحديث.

ما هي أهداف تجديد الخطاب الديني؟

الهدف الرئيس لتجديد الخطاب الديني إبراز الوجه المشرق للآيات القرآنية والأحاديث. مثال على ذلك، أن ثمة صراع حضارات و»إسلاموفوبيا» في الغرب وصوراً مشوهة عن الإسلام يتبناها أبناء الإسلام مثل حركات التكفير الجهادية و»داعش» وغيرها، للأسف الشديد، تقدم صورة بدائية وهمجية وبربرية عن الإسلام مستندة إلى الأحكام والآيات والأحاديث. أحد أهداف تجديد الخطاب الديني إبراز مقاصد الإسلام الحقيقية وتبيانها للناس.

بناء على ذلك، ما هي مقاصد الإسلام الحقيقية؟

أبرز مقاصد الإسلام الحقيقية الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتعارف بين الشعوب والتعامل الحضاري بين الشعوب، بغض النظر عن اختلاف الأديان. مثال على ذلك، الآية القرآنية التي تصلح أساساً لفلسفة الحوار الحضاري بين الشعوب وهي في قوله تعالى “إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13). من الممكن أن أعتبر هذه الآية فلسفة حوار الحضارات، فالله سبحانه وتعالى خلق شعوباً وقبائل متعددة لتتعارف وتتعاون على البر وليس على العدوان وتلك فلسفة كاملة في آية واحدة.

ثمة أحاديث تصلح شعارات للعلاقات بين أصحاب رؤوس الأموال والعمال. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه”. وتلك هي العظمة، وهذه يمكن أن تكون فلسفة كاملة في العلاقات بين أصحاب رؤوس الأموال والأجراء، وهي أنه لا تتلكأ في إعطائه حقه ولا تتراخى في إعطائه حقه ففور أداء مهمته أعطه حقه. بالتالي، يصلح هذا الحديث لأن يكون نبراساً للعلاقات. والقرآن الكريم مليء بآيات تصلح معالم لضبط قواعد السلوك الإنساني، كذلك الأحاديث. وثمة آيات لا علاقة لها بالعصر الحاضر، مثل حد الردة، وهو ما لا يتسق مع الوضع الراهن، فحد الردة كان يتسق مع  بداية الدعوة المحمدية، والآن انتهينا من تلك القضية، وهذا ما يؤدي إلى إضفاء صورة عدوانية للإسلام هو براء منها.

الأمر نفسه في الفتاوى التافهة التي يصدرها السلفيون كل حين وآخر، والتي تقوم على التحريم. الفتاوى لدى نائب رئيس الدعوة السلفية ياسر برهامي يكون فيها التحريم هو الأساس، بينما الإباحة هي الأساس في الإسلام، حيث حوَّل هؤلاء السلفيون الثقافة إلى تحريم وتقييد، من بينها أن الموسيقى والغناء ومشاهدة أفلام السينما حرام. تلك المسألة غريبة ونحن في عصر الانفتاح الثقافي والعالمي. في عصر العولمة لا يجوز تقييد حركة وفكر الناس ولا وضع القيود على فكر الناس أو حركتهم بدون مبرر واضح.

تنقية التراث

كيف يمكن تجديد الفكر الديني في ظل تعدد الخطاب السلفي؟

أولاً، تنقية التراث الإسلامي من الشوائب والأحاديث الموضوعة، والكف عن نقل آراء الآخرين التي قيلت وأُيدت في ظروف وبيئة مختلفة تماماً عن الحالية، واستخدام التأويل بشكل صحيح لنفسرها تفسيراً يتفق وروح العقل بتطوراته الراهنة في الحياة. ثانياً، نحتاج إلى الاعتماد على العقل في التفسير والتأويل لا على النقل حتى لا نرى أحاديث تنافي العقل وأخرى تنافي الذوق وثالثة مجافية لمنطق التفكير، مثل حديث إرضاع الكبير.

ما الدور المنوط بالمؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي للعمل على إزالة الفهم الخاطئ للإسلام وتجديد  الخطاب الديني؟

تلك القضية حرجة وحساسة. المؤسسات الدينية التقليدية عاجزة عن تجديد الخطاب الديني لأن فلسفتها في التعليم تقوم على النقل لا العقل، والمؤسسات الدينية التقليدية منها الجماعات الدينية والسلفية والإخوان المسلمين والأزهر، فكل هذه الجماعات تقوم على النقل وليس على العقل. بالتالي، فإنها تعجز عن التجديد. ويتطلب الأخير ثقافة وقراءات واسعة في علوم اجتماعية متعددة وليس في علوم الشرعية فقط، وليس في أصول الفقه والتفسير فقط. إنما لا بد للمجدد الديني من أن يكون عليماً بتراث العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن بينها الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثربولوجي، لأن هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية تعطي للباحث أفقاً أوسع لفهم الطبيعة الإنسانية ولفهم التاريخ الإنساني والمجتمع الإنساني.

هل ينطبق هذا الكلام على الأزهر الشريف؟

طبعاً. على سبيل المثال، في الكتب المقررة على الأزهر تفسيرات مغلوطة ومرويات لا ينبغي أن تتضمنها كتب الأزهر. ثمة مثال مضحك على ذلك، عندما وجدوا أحد الكتب المقررة على طلبة الأزهر يقول إنه يجوز للمسلم أن يأكل لحم الأسير. وهو أمر يعد عبثاً، ولا أعرف لماذا ما زال موجوداً. قس على هذا، ستجد في الكتب المقررة في معاهد الأزهر في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية أموراً عدة على تلك الشاكلة، وفيها مرويات وخزعبلات ينبغي حذفها.

المشكلة ليست في تنقيتها بل في إعادة بناء العلوم الإسلامية، وهذا هو التجديد الحقيقي، والوحيد الذي فعل ذلك الدكتور حسن حنفي. لديه مشروع كامل لإعادة بناء العلوم الإسلامية وقد اطلعت على كتاب من جزأين بعنوان «من النص إلى الواقع لإعادة بناء أصول الفقه السني والشيعي» بهدف إعادة بناء علوم القرآن.

نحن في حاجة إلى إعادة بناء مثل هذه العلوم وتخليصها من الإسرائيليات والخزعبلات والمرويات، وجعل روحها مقاربة إلى روح العصر.

أزمة فكر

إذاً أزمة الفكر الديني هي في الأساس أزمة فكرية وثقافية؟

نعم، والدليل أنه عندما أتى محمد علي باشا، وكان عبقرياً، أرسل بعثات إلى فرنسا لتطوير طريقة التفكير، وستجد أن كل دعاوى أو بدايات دعاوى التجديد الديني كانت ممن شاركوا في هذه البعثات، مثل الإمام رفاعة رافع الطهطاوي، الذي تحول إلى عبقرية فكرية، واستطاع أن يعكس إدراكات المثقف المصري للحضارة الغربية بكل اختلافاتها، وعرف الفروق بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وأراد أن يُقرِّب بين الحضارتين ووجد في الإسلام قيم الحضارة الغربية.

انتشار الجماعات الإرهابية المتمسحة في الدين هل يُعد علامة على غياب التجديد في الخطاب الديني؟

لا، هذا موضوع آخر.

هل تفشي ظاهرة التكفير ناتجة من عدم تجديد الخطاب الديني؟

يتمثل الجذر الأصلي للتكفير والإرهاب في رفض الجماعات الإسلامية المتعددة سواء كانت معتدلة أو متشددة للحداثة في صورتها الغربية، وقد التفت منذ زمن وخصوصاً فى كتابي “الكونية والأصولية وما بعد الحداثة” الصادر في القاهرة عام 1996 إلى أهمية تحليل خطاب التكفير في مواجهة الحداثة، وقررت أنه إحدى علامات التخلف الفكري والتدهور الحضاري التي لا يمكن أن يكون حولها خلاف صعود خطاب التكفير وانتشاره في أدبيات وكتابات من ينعتون أنفسهم بالكتَّاب الإسلاميين في صراعهم الدائم مع خصومهم الفكريين العلمانيين، ويعتمد هذا الخطاب في بنيته وآلياته على عدد من المسلمات الخاطئة، التي لابد لها أن تنتهي إلى نتائج باطلة.

ثوابت وتجديد

يرفض البعض محاولات تجديد الخطاب الديني بزعم أن ذلك من شأنه أن يطاول أصول الدين وثوابته القطعية. كيف يكون الرد على هؤلاء؟

كل هذه ادعاءات لممانعة التجديد ومقاومة التجديد، فهم لا يعرفون إلا النقل من التراث ولا يعملون العقل، وكل فتاواهم تدل على ذلك، فكلها فتاوى جاهدة من مجموعة من الجهلة السلفيين والمتخلفين فكرياً.

الإسلام السياسي

إلى أي مدى يعتبر الإسلام السياسي المسؤول الأول عن إحباط محاولات تجديد الخطاب الديني؟

لا علاقة بين هذا وذلك، وتلك المسألة كانت قبل ظهور الإسلام السياسي. وإذا اعتبرنا أن عام 1928، وقت إنشاء جماعة «الإخوان المسلمين»، هو تاريخ بداية الإسلام السياسي، لا نستطيع أن ننكر جهود الشيخ محمد عبده لتجديد الخطاب الديني وهو ألف كتاباً شهيراً اسمه «الإسلام والعلم». لكن مشكلة محمد عبده أنه لم تكن له مدرسة من أتباعه وتلامذته يقومون بمهمة التجديد. وللأسف، كان تلميذ محمد عبده الشيخ رشيد رضا وكان رجعياً ومتزمتاً، وهو أستاذ حسن البنا، وتلك المسألة أسبق من ظهور الإسلام السياسي.

وبعدها ننتقل إلى حقبة أخرى، وهي حقبة الهجوم على طه حسين وعلي عبد الرازق في الثلاثينيات، فالأول كتب في الشعر الجاهلي بعقل منفتح وعقل نقدي وفصلوه من عمادة الآداب وأرادوا محاكمته، وعلي عبدالرازق سحبوا منه الشهادة العالمية عندما قال إنه لا دولة في الإسلام، ومعنى هذا أن هجوم القوى التقليدية الإسلامية على المجددين كان مبكراً قبل ظهور الإسلام السياسي. بعبارة أخرى، كان بين المجددين والمقلدين أو التقليديين خلاف واستطاع أصحاب الثقافة التقليدية أن يردعوا ويرهبوا المجددين، فحادثة طه حسين أثرت في أمور كثيرة، كذلك حادثة علي عبد الرازق التي أخافت الناس من الإقدام على التجديد وهذا طبيعي.

في سطور:

السيد ياسين هو كاتب وباحث اجتماع مصري وخبير في شؤون الحركات الإسلامية، ولد في 30 أكتوبر سنة 1933 في محافظة الإسكندرية، خريج كلية الحقوق جامعة الإسكندرية.

حصل على كثير من الجوائز والأوسمة، منها، وسام الاستحقاق الأردني من الطبقة الأولى، عام 1992.

وسام العلوم والفنون والآداب، عام 1995، جائزة أفضل كتاب في مجال الفكر عن كتاب (الوعي التاريخي والثورة الكويتية) من معرض القاهرة الدولي للكتاب 1995. جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1996.

المؤلفات:

له عشرات المؤلفات منها، أسس البحث الاجتماعي 1963، دراسات في السلوك الإجرامي 1995، الشخصية العربية بين تصور الذات ومفهوم الآخر 1973، مصر بين الأزمة والنهضة 1990، تحليل مفهوم الفكر القومي 1978، السياسة الجنائية المعاصرة ودراسة نقدية للدفاع الاجتماعي 1973، الوعي التاريخي والثورة الكويتية: حوار الحضارات في عالم متغير، الأهرام 1995، الكونية والأصولية وما بعد الحداثة 1996.

back to top