رياح الشمس وممالك الرماد

  • 11-01-2019

أنهى جمال خطابه في {يوم الاستشهاديين» الذي تقيمه المقاومة الوطنية مطلع آذار من كل عام، قائلاً:

{لم يستشهد أخي ورفاقه في المقاومة ضد الاحتلال لتحكمنا شِلّة من الأفّاقين اللصوص.

قسماً لكم يا أبطالنا المقاومين الشرفاء: حرَّرتم الأرض، ونحن سنحرّر الوطن.

حرّرتم التراب، ونحن سنحرّر العقول.

أخرجتم المحتلّ الغاصب، ونحن سنطرد اللصوص من الهيكل.

لن يذهب دمكم هدراً، وإلّا...».

علا تصفيق الحاضرين، مقاطعين الخطيب الذي أكمل:

{وإلاّ العار، لطخة العار الأبدية».

كلمات هادرة ألهبت المحتشدين في ساحة الشهداء في ذكرى استشهاديي المقاومة الذين فجّروا أنفسهم بقوات الاحتلال، ملاحقين مدرّعاته وآلياته بأجسادهم، فارضين عليه المعادلة الرهيبة التي لا تكسر، معادلة «اللحم الحي ضد صفيح الفولاذ»، محوّلين أشلاءهم إلى قنابل عنقودية زغردت زغاريد الانتصار والتحرير الآتيين لا محالة، جاعلين المطرّ الأحمر، رذاذ الدم، ينبوعَ الحياة.

تحت شمس الغروب التي دثّرت سماء عاصمة «بلاد الشمس» برداءٍ أرجوانيٍّ قانٍ، مثل المقاومين الشهداء والجرحى الذين ألبسوا الأرض ثوب الدم المنسوج من عشق قلوبهم، والمطرّز ببياض نفوسهم، راح الحاضرون يردّدون كلام الخطيب المفوّه جمال:

«لن تذهب دماء الشهداء هدراً، وإلاّ العار».

كان جمال يلقي كلمة عوائل شهداء المقاومة. وما إن نزل عن المنبر كفارسٍ ترجّل عن صهوة جواده، حتى اقترب منه شخص لا يعرفه ودسّ في يده ورقة موقّعة باسم «المتمرّد» يدعوه صاحبها للانضمام إلى حركة «الأيادي البيضاء» - حركة سرّية على ما بدا.

كان جمال قد سمع بتلك الحركة الانقلابية.

شعر بقوة مغناطيسية في كفّه؛ جذوة الثورة تغلغلت في عروقه سِراعاً، تمدّدت في جسده كنارٍ في هشيم، ووصلت إلى قلبه كصاعقة. نظر إلى الورقة، متجمّداً مكانه؛ لونها الأرجواني أثار فضوله، بل زاد شبق الثورة في بدنه، وبقعة الأمل في سماء ذاته المكفهرّة، المعتمة.

اللون الأرجواني مزيجٌ من الأحمر والأزرق؛ أحمر الثورة، وزرقة سماء الأمل: يبدو أن صاحب الورقة الأرجوانية تعمّد اختيار هذا اللون الفريد.

واللون الأرجواني يرمز إلى الغموض!

الصباغ الأرجواني زبد أعماق البحر الخفيّة، عصارة قلبه العاشق الغامض في خوابي الأصداف.

الغموض، مجدّداً! ربّما تقصّد صاحب القصاصة اختيار اللون الأرجواني لحركته السرّية، الغامضة.

كما أنّ اللون الأرجواني هو الأقوى في طول الموجة الكهرومغناطيسية؛ ربّما ضاعف هذا القوة المغناطيسية التي شعر بها جمال تصعقه.

رفع رأسه ليرى وجه «المتمرّد» لكن سرعان ما توارى هذا بين الجموع.

لحظات، وفيما حاول اختراق صفوف المصفّقين علّه يعثر على الثوري المتخفّي، طوّق رجال الزعيم الناس حاملين هراواتهم الغليظة، وثلّةٌ منهم أطبقت على المكان.

لم يَسْلَم جمال؛ كما عدد من المحتشدين، من لكمة من هنا وضربة عصا من هناك على مرأى من رجال الشرطة. لم يتدخّل هؤلاء، بل وقفوا يشاهدون «الفيلم»! كانوا يحرسون المهاجمين، بدلاً من حراسة المهاجّمين!

مهمة المهاجمين القبض على «المتمرّد»، وبخاصةٍ إرهاب كل من تسوّله نفسه الالتحاق بحركته الثورية.

«أريد رأسه هذه المرّة!» كانت هذه أوامر رئيسهم الصارمة.

الزعيم هذا كان رئيس ميليشيا مسلّحة خلال الحرب التي عصفت بالبلاد المعروفة بـ «بلاد الشمس».

ألبست المعارك تلك البلاد الجميلة سحب الدخان وغبار المعارك وأكفان القتلى. وبعد أن توقّفت الحرب، كسف فساد الزعيم وعصابته الشمس هذه المرّة؛ شمس الأمل بقيامة الوطن، ولملمة جراحه؛ توشّحت السواد دثاراً.

أنَّ المواطنون من جرائم الحرب التي ارتكبها الرجل سابقاً، واليوم يئنّون من جرائمه المالية؛ جرائم السلم.

هو مهندس الدمار فوق الجماجم، ومهندس الإعمار فوق البطون الجائعة.

خلال الحرب، شارك الزعيم على رأس عصابته في القتال. جمع ثروةً طائلة من السرقات، ومن الخوّات التي فرضها على الناس في منطقة نفوذه. ثم تحوّل إلى السياسة بعيد انتهاء الحرب، ليضاعف ثروته بسرقة أموال الشعب.

الميليشيا جعلته رجل دولة!

البزنس والسياسة واحد بالنسبة إليه؛ استعمل بطشه وماله لارتقاء سلّم السلطة، وصرف نفوذه السياسي في الدولة للحصول على مشاريع عامة نفّذها بتكلفة مضاعفة عن تكلفتها الفعلية من دون رقيبٍ أو حسيب. كل من اعترض أسكت، إِمّا بالرشوة وإما بالرشّاش: «الجزرة أو العصا!» يقول.

واجِهتُه خلال الحرب كانت عصابة مجرمين، واجِهتُه الآن سلطة وأزلام.

دم الأمس تحوّل بريق سلطة اليوم.

الدم على يديه غدا ذهباً.

بطشه الدموي في زواريب الحرب وأزقّتها فرضه أحد أمراء زواريب الفساد المنظّم في دهاليز الدولة، وخرائبها.

مزراب الدم صار مزراب مالٍ، مدراراً.

الوطن مزرعة، الدولة بقرة حلوب ملوّنة...

«الأيادي الحمراء الملطّخة بالدم! الأيادي السوداء المخضّبة بالفساد!» بهذا يصف «المتمرّد» الزعيمَ وشركاءه في الحرب، وفي «السلم».

وشعار حركته: «الأيادي البيضاء في وجه الأيادي السوداء».

شعر الزعيم بخطر «المتمرّد» يتعاظم بعد أن أخرج صوته الهادر الناس عن صمتهم، فعزم على وأد ثورته في المهد مهما كلّف الأمر. وشكّل انقضاض رجاله على تجمّع ساحة الشهداء بداية المواجهة الشرسة.

تدخّل رجال الشرطة أخيراً؛ بهراواتهم المرفوعة وكلابهم البوليسية المستشرسة، فضّوا المهرجان بالحجّة الممجوجة نفسها: صيانة السلم الأهلي.

عبارة مطّاطة، مبهمة، تعني: اسكتوا عن فساد الساسة، وإِلّا عادت الحرب!

وبين مطرقة الحرب وسندان الفساد، ضاع الوطن ونُهِبَ مال الشعب.

أخطر ما في الطغاة الفاسدين نطقهم باسم حقوق الشعب؛ كمومس تُكرّز بالعفّة!

والأدهى أن الشعب، بعضه، يصدّقهم؛ كزبون غانية يصدّق حبّها العذري!

حال مغادرته؛ التقط جمال هاتفه النقّال واتّصل بصديقه الصحفي نبيل.

نبيل هذا مثقّف مثالي. يكتب عموداً يومياً في جريدة «ابن البلد» الأكثر انتشاراً بين الصحف، وجلّ مقالاته تدعو لإعادة الأخلاق إلى السياسة.

وجد الزعيم فيه عدوّاً لدوداً بالطبع، لكن سهل المنال! فالكلمة تُخيف الطُغاة والفاسدين أكثر من الرصاص؛ لا يمكن مقارعتها بكلام الباطل مهما طغى وساد، بل بالرصاص الغاشم.

كتابات نبيل الجريئة، المحرّضة على الثورة، أغاظت «الحاكم بأمره»، فقرّر التخلّص منه.

«اقتلوه! يومان من الاستنكار الببغائي، ثلاثة أيام على الأكثر، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها»، قال الزعيم لأزلامه باستعلاء. «هو الخاصرة الرخوة لثورة ذاك المتمرّد الرعديد... وهل سيخرب البلد بسبب مقتل كاتب في صحيفة؟! وهل ستقوم القيامة لأجله؟! العرب لا يقرأون للمرء في حياته. فهل سيقرأون له بعد مماته؟!».

«سيفطس تحت كلماته! سأكفّنه بقصاصات جريدته»، أضاف بصلف.

أخذ الزعيم قراراً بتصفية نبيل، لكن مع وقف التنفيذ إلى حين.

استمهل أزلامه: «سأصفَّيه معنوياً»، قال لهم.

«مرحباً يا رجل».

«أهلاً أهلاً جمال. أية خدمة؟»

«أريدك أن تتحرّى لي عن أحدهم...»

قاطع نبيل صديقه جمال. خطّ هاتفه المحمول مراقب من الزعيم، كذلك خطوط الجريدة. سيطر الأخير على قطاع الاتصالات:

«كل الداتا في جيبي الآن! من يسيطر على المعلومة في العصر الرقمي، يسيطر على أصحابها!»، هتف قائلاً عندما رست على شركته بالتراضي صفقة تطوير قطاع الاتصالات.

تعبير بالتراضي يعني: لا مناقصة بحجّة ثقل البيروقراطية و{ترشيق» الإدارة والإسراع في تنفيذ «المشاريع الحيوية التي تهمّ المواطن». لكنها، في الحقيقة، تهمّ جيوب المنتفعين.