وجهة نظر: النفط في مهب عاصفة العملات

  • 07-09-2018

المكاسب التي حققتها أسعار النفط الخام في الآونة الأخيرة ناتجة عن متغيرات وقتية لا علاقة لها بالأفق الاقتصادي الدولي الراهن.

وتتمثل هذه المتغيرات المحفزة لهذا التماسك في التراجع النسبي بقوة الدولار الأميركي، وانخفاض صادرات النفط الإيراني بمعدل فاق التوقعات، وانخفاض المخزون الاستراتيجي الأميركي من النفط بمقدار 5.8 ملايين برميل.

الأفق الاقتصادي الدولي الحالي لا يدعم احتمالية تماسك أسعار النفط في المدى المنظور، فتداعيات تصعيد المواجهة التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين تشكل عامل ضغط مؤكدا على الطلب على النفط، ومن ثم على هذه الأسعار، أضف الى ذلك الزيادات المحتملة في المعروض من النفط، بعد تخلي منظمة أوبك وحلفائها عن اتفاق خفض الإنتاج.

أزمة انهيار العملات

وتصب، في السياق ذاته، تداعيات أزمة الانهيار المتزامن لعملات بلدان نامية ذات ثقل سكاني واقتصادي كبير، والتي ألحقت خسائر هائلة باقتصادات هذه البلدان، وأدت الى رفع فاتورة خدمة ديونها الخارجية، وتراجع مراكزها الائتمانية الدولية، وخروج معدلات التضخم في أسواقها عن نطاق السيطرة.

هذه الأزمة قد لا تبقى محصورة في نطاق تلك البلدان، وفي مقدمتها الأرجنتين وتركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، ومعها أيضا بلدان نفطية مثل إيران وفنزويلا والمكسيك، فهي تعكس في جانب منها توجها مرحليا تتعرض فيه عملات الاقتصادات النامية، وغير المستقرة في بعض الحالات، الى ضغوط ناتجة عن الارتفاع المتواصل في سعر الفائدة على الدولار الأميركي القوي، الذي ما زال يشكل عملة الاحتياطي الدولي الرئيسة، خصوصا أن هذا الارتفاع يأتي بعد سنوات طويلة من الفوائد شبه الصفرية على الدولار والعملات الرئيسة الأخرى.

وتشير بيانات أسعار الصرف الدولية الى قائمة طويلة من عملات الاقتصادات الناشئة والنامية التي فقدت جزءا لا بأس به من قوتها خلال السنة الحالية، مما أجبر مصارفها المركزية على رفع أسعار الفائدة، ومن بين هذه البلدان مصر والسودان والهند وإندونيسيا.

ورغم تماثل الأثر السلبي لتدهور العملة الوطنية في مختلف البلدان النامية، فإنه ينبغي التمييز بين مجموعة الاقتصادات الناشئة مثل تركيا والبرازيل، واقتصادات دول نفطية مثل إيران وفنزويلا والمكسيك ونيجيريا، إذ لعب الانخفاض الحاد في سعر النفط في السنوات الأربع الأخيرة دورا في إضعاف موازين مدفوعاتها وتدهور أسعار صرف عملاتها.

معادلات صعبة

في مواجهة هذه الأزمة، وفي سبيل الحد من تداعياتها واحتواء الخسائر الاقتصادية الهائلة المترتبة عليها، تواجه السلطات النقدية في البلدان النامية، معادلات صعبة ومسالك شائكة.

ذلك أن دعم سعر العملة الوطنية يتطلب رفع أسعار الفائدة على هذه العملة الى مستويات غير مسبوقة - وصلت في الأرجنتين الى 60 في المئة - بينما يتطلب دعم النشاط الاقتصادي خفض الفائدة.

كما يتطلب دعم العملة المحلية خفض المعروض منها، في حين يفضي الانخفاض المتواصل في سعر صرفها الى زيادة المعروض منها، بحثا عن ملاذ آمن قد يكون هو الدولار الأميركي أو اليورو أو غيرهما من العملات الدولية أو الذهب. وهذا من شأنه أن يزيد طين العملة المتدهورة بلة.

وقد لا تتمكن البلدان الناشئة من الاستفادة من الأثر التجاري الإيجابي للعملة المحلية الضعيفة، أي زيادة تنافسية صادراتها، وذلك بسبب التضخم الحاد المرافق لضعف العملة، والذي يؤدي في الغالب الى تراجع جودة السلع المصدرة بسبب ارتفاع أسعار الموارد والمدخلات، فضلا عن تراجع قدرة الدولة على دعم الصادرات عبر الإعفاءات الضريبية.

تماسك في مهب الريح

ويؤدي استمرار الضعف الراهن في عملات البلدان الناشئة والنامية الى تردي أوضاعها المعيشية وتعميق انكماشها الاقتصادي، وهذا من شأنه أن يخفض من طلب هذه البلدان على النفط، وهو انخفاض مؤثر، لكونها بلدانا نامية ذات ثقل اقتصادي ملموس. واذا تزامن ذلك مع الآثار السلبية للمواجهة التجارية الأميركية مع الصين، وتعويض النقص في إمدادات النفط الإيراني، فإن مآل التماسك الحالي في أسعار الخام الى زوال.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت