«البابطين»... الشعر ونوادر المطبوعات

  • 06-09-2018

تُعد «مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي» بلا شك، في مقدمة مفاخر الكويت والعالم العربي الثقافية، وما يميز هذه المكتبة- المؤسسة، أنها بعكس الكثير من الهيئات الثقافية العربية، غير الحكومية، لا تتحكم بنشاطها البيروقراطية والرسميات التي تحكم النشاط الثقافي والإنتاج الأدبي فيها.

كما أن هذه «المكتبة» متخصصة فيما بات فوق أي منافسة عربية أو عالمية في مجال الأدب العربي، ألا وهو العناية بالتراث الشعري العربي وجمع تراثه، وما صدر في مجال دواوين الشعر القديم والحديث.

ومما يزيد ثقلا في «ميزان حسنات» مكتبة البابطين ومؤسسيها، في موازين الثقافة، أنها لا تكتفي بالاحتفاء بالشعر ومطبوعاته، بل تقدم له خدمات كبرى عبر المهرجانات وإصدار المعاجم والموسوعات التي لا يمكن لجهات كثيرة، ربما حتى الرسمية منها، تحمّل مصاريف إقامتها ومتابعتها، بسبب ضغوط التقشف وغياب الميزانيات.

ومن إضافات مكتبة البابطين إلى المكتبة العربية، إلى جانب دواوين الشعر ومناسباته ودواوينه، مجموعة قيمة مجلدة متوالية الصدور منذ عشر سنوات، للتعريف بالكتب العربية النادرة التي أهداها السيد عبدالكريم سعود البابطين إلى المكتبة، والتي صدر منها حتى الآن 17 مجلداً فاخر التجليد نفيس الطباعة في سلسلة بعنوان «نوادر النوادر من الكتب». وهكذا تضاعفت القيمة الثقافية للمركز، وباتت إلى جانب رعاية الشعر، متحفاً ودار كتب لهذه المطبوعات التاريخية في مجالات الطباعة والنشر العربية.

بعض هذه الكتب، تقول مديرة المكتبة، السيدة سعاد عبدالله العتيقي، «جاء بطبعات أوروبية لكتب تراثية عربية وإسلامية، مع ترجمات لها باللغات اللاتينية والألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، وتحقيق مستشرقين مشاهير مثل كارل بروكلمان وفنسك ودي ساسي».

وتضيف أ. العتيقي أن في المجموعة كذلك نسخاً «من الكتب الدينية في طبعاتها الأولى، التي يرجع تاريخ بعضها إلى القرن التاسع عشر، والتي تعمل على إبقائها حية في الصدور».

ولا يهدف المركز إلى التحول إلى «مخزن» آخر للكتب النادرة، فالسيد عبدالعزيز البابطين رئيس مجلس الإدارة، أكد منذ صدور المجلد الأول، والذي أعيدت طباعته عام 2007، هذا المقصد قائلا: «لا يعنينا في مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي أن نحفظ هذه الكنوز المعرفية حفظاً أشبه بالتحنيط، بل إن دورنا لن يكون فنياً فحسب، بل سيتعدى ذلك إلى بث الروح في هذه النوادر بما أوتينا من عزم لتعميم الفائدة التي فيها».

إن قراءة واستعراض بعض عناوين هذه الكتب التي أعادت مكتبة البابطين تعريف القراء بها، وذكّرتهم بعناوينها، تجربة زاخرة بالذكريات، وعودة إلى العناوين الطريفة المسجوعة، فقصة «روبنسون كروزو»، التي ترجمها المعلم «بطرس البستاني» مؤلف موسوعة «دائرة معارف البستاني» المعروفة كان عنوانها المعرّب «التحفة البستانية في الأسفار الكروزية، أو رحلة روبنصن كروزي»، وقد نشرت في بيروت سنة 1861 عن رواية إنكليزية ذائعة الصيت لـ«دانيال ديفو».

وديوان الفارس الشاعر «عنترة»، طباعة بيروت 1864، يتحدث عنه كتاب «نوادر النوادر» بعنوان «كتاب منية النفس في أشعار عنتر عبس»، والديوان فيما يبدو مختارات من إعداد «إسكندر آغا أبكاريوس عُفي عنه»، وهو ابن يعقوب الأرمني، وأديب من أهل بيروت، والكتاب في 104 صفحات!

ويقول «معجم المطبوعات العربية» ليوسف سركيس، إن اسم عنترة الكامل هو «عنترة العبسي بن شداد بن عمرو بن قرادة»، وكانت أمه حبشية، يقال لها «زبيبة»، ولكن المعجم يقول كذلك، إن صاحب ديوان عنترة اسمه «عنترة بن معاوية بن شداد بن قراد»، الذي طبع بعناية «إسكندر أبكاريوس» في بيروت عام 1881. وتقول «الموسوعة العربية الميسرة» إن ما أظهره عنترة من بطولة في حروب داحس والغبراء جعل أباه يعترف به، وزوّجه عمه حبيبته «عبلة» التي حرم منها طويلا، وتضيف الموسوعة إن عنترة الذي توفي عام 600 ميلادية تقريباً، «كان شجاعاً جواداً عفيفاً، تمثل فيه الخلق العربي البدوي، فاتخذه الأدب الشعبي مثالا للبطل العربي، وأدار حوله ملحمة من أجمل الملاحم. له ديوان أكثره من الشعر المصنوع، وله معلقة تدور كشعره كله حول حبه عبلة وفخره وبطولته الحربية». وأول معلقته:

هل غادر الشعراء من متردم

أم هل عرفت الدار بعد توهم

أما سيرة عنترة بن شداد، يقول معجم سركيس، فهي سيرته الحجازية، هي «قصة خيالية، فيها ذكر أشعار وأحوال كثيرة عن عنترة، ولا يُعلم واضعها بالتحقيق، طُبعت في 32 جزءاً». كما تمت ترجمة «مختصر سيرة عنتر» إلى اللغة الفرنسية، على يد «مرسال دوفيك» وطبعت في باريس ما بين 1864-1870.

ومن نوادر مجموعة مكتبة البابطين كتاب «كلام شريف»، وهو نسخة نادرة من المصاحف، طبعت في طوكيو سنة 1934، عن نسخة طبعت في «قازان»، المدينة الإسلامية الروسية على نهر الفولغا، التي اشتهرت بالطباعة، وعدد صفحاتها 547 صفحة.

ومن العناوين الواردة في كتاب «نوادر النوادر» كتاب «تعطير الأنام في تعبير المنام» المطبوع حجرياً في مصر سنة 1859، لمؤلفه الكثير التصانيف «عبد الغني بن إسماعيل بن عبدالغني الدمشقي الحنفي النقشبندي القادري»، المتوفى سنة 1731.

ومن عناوين المجموعة كتاب بعنوان «مقبض للنفس»، من تأليف رجل دين إيطالي في نابولي، بعنوان «كتاب الاستعداد للموت» في الإرشادات الروحية، قام بتعريب الكتاب بطريرك حلب «مكسيموف مظلوم» وطبع في القدس بدير الرهبان الفرنسيسكان سنة 1851 للميلاد.

ومن طرائف المجموعة في كتاب النوادر كتاب في تربية الحمام، وهو بعنوان «مسابقة البرق والغمام في سعاة الحمام» لمؤلفه «ميخائيل بن نقولا إبراهيم صباغ»، الذي ولد في «عكا» بفلسطين، ونشأ في دمشق، وانتقل إلى مصر، وتولى الترجمة لنابليون، حيث استصحبهم القائد الفرنسي بعد عودته إلى باريس عام 1801، حيث اشتغل في المكتبة الوطنية، والتقى هناك بالمستشرق البالغ الشهرة «سلوستر دي ساسي»، وكانت وفاته بالعاصمة الفرنسية سنة 1816. وكتاب «البرق والغمام» هذا فيما يبدو عرض شيق لكل ما يتعلق بتربية الحمام، والشرح «في أحسن أنواعه- أي أنواع الحمام- وطباعه ومزاجه»، وهو مطبوع في دار الطباعة السلطانية بباريس سنة 1805، تحت إشراف «يوحنا يوسف»، وصفحاته 95 صفحة.

وتقول الموسوعة عن الحمام الزاجل أو حمام المراسلة إنه من أشهر أنواع الحمام، وإنه ينقل الرسائل ويعود إلى موطنه مهما بعدت المسافة، وإنه «يطير مسافة ألف كيلو متر، ويطير بدون انقطاع لمدة 13 ساعة بسرعة كيلومترين في الدقيقة، ويزن 650 غراماً، منقاره عريض مغطى بثنيات، وجسمه قوي ممتلئ، ولونه أزرق أو بني أو أبيض، وطرفه مخطط باللون الأسود، ويعطي سنوياً نحو 9 أزواج من الزغاليل». وتقول موسوعة أخرى إن الحمام الزاجل لا يقطع سوى كيلومتر واحد في الدقيقة.

(الموسوعة الثقافية، د. حسين سعيد، القاهرة، 1672)

وبين مجموعة كتاب مركز البابطين كتاب مصور طبع في إستانبول بمطبعة «الجدائب» الشهيرة عام 1876 بعنوان «سلاطين آل عثمان»، اعتنى بجمعها وطبعها «سليم أفندي فارس» مدير المطبعة و»الكتاب يشتمل على مجموعة صور سلاطين آل عثمان، بدءا من السلطان عثمان خان مؤسس الدولة العثمانية، وأول صورة في المجموعة هي صورة السلطان عبدالحميد، آخر السلاطين العثمانيين آنذاك، ثم يليه تسلسل السلاطين».

(نوادر النوادر، مكتبة البابطين المركزية، المجلد الأول، أبريل 2007 ص133).

وتظهر معلومات كتاب النوادر ومحتوياته عدة أمور في تاريخ حركة النشر، منها اهتمام ذوي القدرة المالية، حتى المتواضعة نسبياً، بطباعة الكتب على حسابهم الخاص ونشر الثقافة وصون التراث، وتظهر كذلك الدور الكبير للمسيحيين العرب في لبنان وسورية وفلسطين والعراق ومصر والدولة العثمانية، ومنهم على نحو بارز الأرمن، في إعداد هذه الكتب الأولى للنشر، والإشراف على طباعتها وتنقيتها من الأخطاء.

ويتضح من اختيار المجموعة ثراء وتنوع الاهتمامات الفكرية في المنشورات العربية، رغم تحريم الطباعة في الدولة العثمانية سنوات طويلة في القرن السابق لأسباب دينية، قبل السماح لها فيما بعد، مما كان من بين أسباب إعاقة النهضة.

إن استعراض محتويات كل مجلدات مجموعة كتاب «نوادر النوادر» بحاجة إلى أكثر من مقال، وكان تركيزنا على محتويات المجلد الأول، وقد نحتاج إلى مقالات أخرى لتغطية مجرد التعريف بهذه الموسوعة القيمة.

نجدد الشكر لمكتبة البابطين المركزية للشعر العربي، آملين اتساع اهتمامها بسائر الجوانب الثقافية من شعر ونثر، ولكل المسؤولين عن إعداد هذه السلسلة، السيد الفاضل عبدالعزيز سعود البابطين الذي يواصل الاهتمام بالثقافة العربية والشعر الخاص، ولشقيقه عبدالكريم سعود البابطين الذي أثرى الكويت بهذه الكتب القيمة، وللسيدة سعاد عبدالله العتيقي وكل من يتابع طباعة ونشر الموسوعة، ويحرصون على استمرار صدورها بالمستوى والجودة نفسها.