من أين أتت داعش؟!

  • 18-08-2018

عنوان المقال كان أول سؤال تبادر إلى أذهان العامة، حين ظهرت داعش على الساحة العسكرية في سورية والعراق، ثم باشرت خلاياها أنشطتها حول العالم، وكان السؤال يُطرح دائماً بصيغة اندهاش شديد، مع رفع الحاجبين على الجبين اللجين، وضرب الكف بالآخر، وكأننا فعلاً لم نكن نعرف الإجابة النموذجية!

حاول البعض تفسيرها استخباراتياً، لرفع الحرج وإراحة الضمير، وتلك تهمة لا نستطيع نفيها أو تأكيدها، لكن المؤكد أن هذا الكيان الاستخباراتي، إن كان هو فعلاً كذلك، قد وجد ثغرة لدينا واستغلها بما يحقق مصالحه وأهدافه، التي أنشئ من أجلها. نظرة خاطفة على مناهجنا الدراسية، ومن ثم متابعة بعض النقاشات العامة والآراء ووجهات النظر المتداولة عن قضايانا أو الأحداث من حولنا، وستعرف أن المخابرات المزعومة لم تتعب كثيراً، وما قامت به لا يتعدى التجميع وإعادة الإطلاق، بعد اختيار الاسم التجاري المناسب، فالدواعش يعيشون بيننا، وأقرب لنا مما نتصور، لكن أغلبهم لم تكن تتاح له الفرصة فقط لإبراز مواهبه.

دواعش القلب واللسان أخطر من دواعش الحركة والإرهاب، فعلى الأقل هؤلاء مكشوفون، وبإمكاننا مقاومتهم والحذر منهم، أما الملتبسون فإنهم من لابسي الحرير واللسان الذرب والملمس الناعم والابتسامة الباردة، لكنهم مع أول بادرة خلاف أو اختلاف عما يحبون ويشتهون كشروا عن أنياب التكفير والطرد من الملة، وألبسوا آراءهم الخاصة لباس الدين، وكأنها كلام الله نفسه، وبكل هدوء وثقة، مع الحرص على التقليل من قيمة المخالف كإنسان يستحق الحياة، لا يردهم عن عنقك وسبي أهلك سوى وجود القانون والشرطة. وآخرها مع أزمة الاقتصاد التركي؛ رأينا كيف خرجوا من جحورهم، وأتحفونا بآرائهم الفذة، التي أدخلت ثلاثة أرباع المسلمين النار، فديّثوا وخوّنوا وفسّقوا كل من لا يرى ما يرون، دون أن يرف لهم جفن، وبلا أدنى اهتمام، كعادتهم، بالجانب الفني للموضوع، بل والمفارقة أنهم يعملون لدعم عملة عليها صورة رجل علماني أصيل، لكن المرحلة تحتاج إلى الفرز لفسطاطين بسرعة، وتوزيع المسلمين بين الجنة والنار، ورانا شغل، وذلك مما يجعلنا نكثر من حمدالله تعالى، قدر استطاعتنا، أن أمر حسابنا بيده لا بيدهم.

أما العقلاء منهم "يعنوك" ممن تجدهم أكثر من يتدخل في شؤون الآخرين ويدس أنفه فيما لا يعنيه، بحجة إنكار المنكر، بحيث لم يتركوا "فاشنستنا" ضيقت ملابسها، أو مذيعة مدحت زميلها، أو كلمة في كتاب مهجور، أو تغريدة تائهة لم تعجبهم؛ إلا لاحقوها بالانتقادات السليطة ودعاوى الحسبة، فقد بلعوا ألسنتهم هنا وغضوا أبصارهم وآذانهم عن منكر رفاق الدرب، ولم ينكروا على المكفرين والشتامين ألفاظهم العنيفة وآراءهم الفجة، فهم دائماً أفضل ناس في لي عنق التفاسير والمعاني، بما لا يزعل جماعتهم وأحزابهم وشيوخهم، فحتى في إنكار المنكر هناك واسطة وحسابات دقيقة يجب عليهم مراعاتها، وليسترح المبدأ قليلاً. لكل ذلك، ما كان يجب أن يكون عنوان المقال أعلاه هو السؤال المطروح آنذاك، بل كان يفترض أن نتساءل حينها: لماذا تأخرت داعش؟!