ثالث يوم الغزو

  • 04-08-2018

بعد ٢٨ عاماً يرجع اليوم نفس اليوم، احتُلت البلاد وتحررت بفضل من الله ومساندة الأشقاء والأصدقاء، وتخلصنا والحمد لله من احتلال لصوص الجيش الشعبي غير المحترمين، وتدبسنا بحرامية أكثر احتراماً يرتدون البشوت ويحتلون صدور المجالس، ولا تحرير قريباً تلوح بشائره، لكنهم وللأمانة أقل دموية وميلاً للتقتيل، فهم لا يقتلون أحداً إلا برفع ضغطه عن معدله الطبيعي فقط، فلا سمل ولا حرق ولا تعذيب، فالعمام طيبون جداً.

تطابق الأيام وتواريخها استدعى الذكريات والمشاعر الملتبسة، ثالث يوم من الغزو، الكويت في حالة إنكار عام، فلم يتمكن الغازي بعد من إحكام قبضته على كامل الأرض، ولم يظهر بعد معدن الشعب وقصة تلاحمه التي استهلكت بالتكرار والأغاني لاحقاً، فالأمر الواقع لم يفرض نفسه عليهم حتى الآن، ومازال هناك هامش من حرية الحركة، في بدايات هذه المرحلة الغريبة الخارجة عن التاريخ والمنطق من حياة الشعب الكويتي كانت الإشارات تأتي سريعة ومتضاربة وغير مفهومة، أصوات انفجارات وطائرات وأسلحة وجنود ودبابات ومجنزرات، وكل ما هو غريب عن العين الكويتية المسالمة، ثورة من فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، مدعومة من بغداد، وبوادر الوحدة الاندماجية تظهر بالأفق، لكن يوسف مصطفى كان له رأي آخر، في حين كانت حالة الصمت المريب تجتاح أغلب الجهات الرسمية ووسائل الإعلام الشقيقة، إلا لبنان الحص لم يناور أو يتأخر، فالمصاب قبلك هو أول من يستشعر حجم مصيبتك.

الشعور بالخذلان والغضب والضياع وقلة الحيلة، وأن الكويت ليست إلا ضحية لمؤامرة دولية وإقليمية هو الطاغي في هذه الأيام، حالة الهروب العامة من البلاد زادت من وطأة الفكرة، هذه واحة كانت هنا وجف ضرعها وانتهى دورها والأيام دول، والكلب الجالس في بغداد يضحك بثقة ويهز كتفيه ومعه تهتز معنوياتنا وقناعاتنا، ومعهم سقطت أفكارنا وبراءتنا، واكتشفنا بسرعة مذهلة كذب الشعارات ومروجيها ونحن مصابون في أنفسنا فتضاعفت المصائب والأوجاع علينا، فكل من قضينا أعمارنا بدعمهم ومساندتهم خانونا في أول اختبار حقيقي وسقطوا فيه بجدارة، واتضح لنا حينها أنها كانت مجرد شعارات مطلوب من لابسي الدشايش دفع فواتيرها لا أكثر دون منحهم حق الاستفادة منها والانتفاع بها، ارفع شعاراتنا وأعطنا من أموال نفط العرب وإياك والتفكير والخروج عن رأي الأبوات والمعلمين والمشايخ، فمن يريد تحرير أرضه لا تعنيه أرضك، والقومي لا يهمه إلا قومه فقط، والإخواني لا أخوة لديه إلا مع مصلحته، أما مناضلو وثوار المقاهي فلم نكن نثق بهم من الأساس، لقد كانت أسرع دروس تقوية مكثفة يمكنك أن تأخذها في حياتك، كل هذه المواقف والأقنعة تكشفت في أيام قلائل وقبل انعقاد قمة القاهرة الشهيرة التي حددت اتجاه مسار الأحداث بعد ذلك، وبعدها كان ما كان من التطورات التي تعرفونها حتى الحرب واكتمال التحرير، أيام سوداء وقلوب أكثر سواداً، الله لا يعيدها ولا يعيدهم.