الحسن البصري... الفقيه الزاهد

هو الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، تربى الحسن في المدينة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وعاش بين كبارهم وتعلّم منهم، وكان لهم أثر كبير في تربيته على أحسن ما تكون التنشئة والتربية.

وعندما أصبح في الخامسة عشرة من عمره، انتقل الحسن إلى البصرة، وتعلم الفقه، والحديث، واللغة العربية على يد عدد كبير من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا يقيمون بها، وأصبح أشهر علماء عصره، وأقربهم هدياً من الصحابة، وكان إلى جانب ورعه شجاعاً زاهداً، زهد فيما عند الملوك فرغبوا فيه، واستغنى عن الناس وما في أيديهم فأحبوه، ولقد عنف طلبة العلم الشرعي الذين يجعلون علمهم وسيلة للاستجداء فقال لهم:

"والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم".

عاش الحسن الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان موقفه متحفظاً عن مجريات الفتنة، ورفض سفك الدماء، ولم يخرج مع أي ثورة مسلحة، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، ولما كانت فتنة بن الأشعث، إذ قاتل الحجاج بن يوسف، انطلق عقبة بن عبدالغافر وأبو الجوزاء وعبدالله بن غالب في نفر من نظرائهم فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة وفعل وفعل؟، وذكروا من فعل الحجاج، فقال الحسن: أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، وكان الحسن يقول: "لو أن الناس إذ ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا مالبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط".

كان الحسن كثير الحزن، عظيم الهيبة، قال بعض أصحابه:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة"، وكان هو يقول: "نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويْحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدرياً، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب".

وقبيل وفاته قال رجل لابن سيرين: رأيت كأن طائرا آخذا الحسن حصاه في المسجد، فقال ابن سيرين: "إن صدقت رؤياك مات الحسن"، قال: فلم يلبث إلا قليلا حتى مات الحسن البصري، وهو ابن ثماني وثمانين سنة، وكانت وفاته ليلة الجمعة، في أول رجب سنة عشر ومئة للهجرة.