التفاهم الجديد في آسيا

  • 07-11-2017

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى آسيا في لحظة تزداد فيها حدة الوضع الأمني في المنطقة، فقد أقر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيليرسون بأن "مركز العالم قد بدأ بالتحول تجاه قلب منطقة الاندو-باسفيك"، ودعا القوى الديمقراطية في المنطقة للسعي إلى "مزيد من التواصل والتعاون"، وإن هؤلاء القادة بمن فيهم الرئيس الأميركي ترامب يجب أن يستمعوا إلى ما قاله تيلرسون، فإن تحالفاً من الدول الديمقراطية في واقع الأمر فقط، بإمكانه التحقق من ظهور نظام قوي قائم على حكم القانون وتوازن مستقر للقوى في أكثر مناطق العالم ديناميكية من الناحية الاقتصادية.

لقد قامت الصين كما أقر تيلرسون بـ"أعمال استفزازية" مثل أعمالها في بحر الصين الجنوبي، وهي أعمال تتحدى القوانين والأعراف الدولية، ومن المتوقع أن تستمر الصين في هذا السلوك إن لم تعمل على تصعيده، فقد توج المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الرئيس شي جين بينغ فعليا- الذي كان رأس الحربة في سياسة خارجية صينية أكثر إظهارا للقوة من أجل تحقيق هدفه في جعل الصين قوة عظمى عالمية- كإمبرطور للصين.

وكما أدى صعود ألمانيا السريع قبل الحرب العالمية الأولى إلى إنشاء "التفاهم الثلاثي" بين فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة فإن السلوك العدائي الصيني المتزايد يخلق دافعا قويا للديمقراطيات في منطقة آسيا–الباسفيك من أجل بناء تحالف أكثر قوة، وكما علمتنا التجربة الأخيرة في بحر الصين الجنوبي فإنه لا توجد قوة واحدة يمكن أن تجعل الصين تدفع ثمن سياستها البحرية والإقليمية العدائية، ناهيك عن إجبار القادة الصينيين على تغيير مسارهم.

هذا لا يعني أنه لا يوجد بلد يمكن أن يتحدى الصين، ففي الصيف الماضي وقفت الهند في وجه جارتها التي تميل لاستعراض عضلاتها، وذلك من خلال مواجهة حدودية استمرت عشرة أسابيع، فقد استخدمت الصين مشاريع البناء لتغيير الوضع القائم في هضبة دوكلام النائية في الهيمالايا، وذلك كما فعلت بشكل متكرر في منطقة بحر الصين الجنوبي، ولكن الهند تدخلت لتعطيل أنشطة البناء الصينية، ولو أظهرت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التصميم نفسه في بحر الصين الجنوبي ربما لما أصبحت الصين تمتلك سبع جزر صناعية تمت عسكرتها هناك.

على أي حال فإن تحقيق تحول أوسع في السياسة الخارجية الصينية وتحقيق الاستقرار في ديناميكية القوة ضمن منطقة آسيا-الباسفيك سيتطلب وجود أكثر من بلد واحد يؤيد الموقف نفسه فيما يتعلق بأي قضية، إن الولايات المتحدة الأميركية التي يجب أن تستخدم أدوات جديدة مع بلدان أكثر ثقة بنفسها مثل اليابان والهند بالإضافة إلى أستراليا التي ضاقت ذرعا بتدخل الصين في شؤونها الداخلية، يجب أن تعمل معا من أجل الحد من السلوك الصيني.

فالأخبار الطيبة تتمثل في أن هناك تفاهماً بدأ بالتشكل بين الديمقراطيات الرئيسة في المنطقة، فعلاقة أميركا مع الهند على وجه الخصوص تشهد ما أطلق عليه تيلرسون "تحولا عميقا"، في حين يصبح البلدان "شريكين عالميين بشكل متزايد مع تشابه استراتيجي متنام". فالولايات المتحدة الآن تجري مناورات دفاعية مشتركة مع الهند أكثر من أي بلد آخر، ومثل هذا التعاون يضع البلدان في وضع قوي لتحقيق رؤية تيلرسون في أن يكون البلدان "منارتي منطقة المحيط الهندي-المحيط الباسفيكي الشرقية والغربية".

كما يجب كذلك تعميق العلاقات مع اليابان، فتمرين مالابار لهذا العام- تمرين بحري سنوي في المحيط الهندي يضم الولايات المتحدة الأميركية والهند واليابان- كان الأضخم والأكثر تعقيدا منذ أن بدأ قبل ربع قرن، وقد شارك في هذا التمرين الذي ركز على تدمير غواصات الأعداء أكثر من 7000 عسكري من الولايات المتحدة لوحدها، وشاركت فيه لأول مرة حاملات طائرات من البحريات الثلاث: "يو إس إس نيميتز" التي تعمل بالطاقة النووية من أميركا وحاملات الطائرات المروحية "أزومو" من اليابان وحاملة الطائرات الهندية "إي إن إس فيكراماديتيا".

وكما أشار تيلرسون فإن هذه العلاقات بين الولايات المتحدة والهند واليابان قد بدأت بالفعل بجني فوائد مهمة ولكن "هناك مجال لدعوة دول أخرى بما في ذلك أستراليا من أجل البناء على الأهداف والمبادرات المشتركة".

لقد سعت أستراليا حتى الآن إلى تجنب الاختيار بين حليفتها الأمنية الولايات المتحدة الأميركية وشريكتها التجارية الرئيسة الصين، وعلى الرغم من تصريح وزيرة الدفاع ماريس باين مؤخرا بأن "أستراليا مهتمه بعلاقات رباعية مع الهند واليابان والولايات المتحدة الأميركية"، يبدو أن الحكومة لا تزال تحتفظ بخياراتها، ففي حين سعت أستراليا هذا العام، على سبيل المثال، إلى الانضمام مجددا لتمرين مالابار– الذي انسحبت منه قبل 10 سنوات لإرضاء الصين- فإنها شاركت بصفة مراقب.

وإن هذه المقاربة غير قابلة للاستمرار، فلو أرادت أستراليا أن تخلص نفسها من التدخلات الصينية فهي بحاجة لأن تذهب إلى ما هو أبعد من تطبيق ضمانات محلية جديدة، وأن تتبنى دورا أكثر فعالية في الدفاع عن الأحكام والقواعد خارج حدودها سواء على اليابسة أو في البحر.

وإن توازن القوى في منطقة الاندو باسفيك في السنوات القادمة سيتحدد أولا وقبل كل شيء من خلال الأحداث في المحيط الهندي وشرق آسيا، وعليه فإن احتواء الصين سيتطلب أولا بذل الجهود من أجل تقييد نشاطات الصين البحرية، مثل اتخاذ إجراءات لتأمين الخطوط البحرية الحيوية، وبناء الوعي فيما يتعلق بالمجال البحري، وثانيا مبادرات جيواقتصادية من أجل التصدي لنفوذ الصين القسري على الدول الأصغر، علما أن جميع القوى الديمقراطية في آسيا يجب أن تنضم إلى تلك المبادرات والإجراءات.

إن دعوات الولايات المتحدة الأميركية لتعاون أوثق يبشر بالخير لهذه العملية على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى التركيز بشكل أكبر على الصين الصاعدة والعدائية أكثر من روسيا التي بدأ نجمها بالأفول، وإن النصر الساحق لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي- والذي يدعم فكرة تأسيس تحالف رباعي أمني ديمقراطي" في منطقة آسيا الباسفيك– في الانتخابات الأخيرة في اليابان من المرجح أن يساعد في الدفع بهذا التعاون للأمام.

ومن المؤكد أن أي تفاهم بين الديمقراطيات الآسيوية من غير المرجح أن يأخذ شكل التحالف الرسمي، بل يجب أن يكون الهدف أن تتوصل القوى الديمقراطية لتفاهم استراتيجي عريض مبني على أساس القيم المشتركة، فهذه القيم هي التي تجعل تلك الدول مختلفة، كما أقر تيلرسون، ومن المؤكد أن زيارة ترامب القادمة للصين ستكون موضع اهتمام عالمي فإن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتمتع بعلاقات مع الصين غير الديمقراطية مقارنة بعلاقاتها مع دول ديمقراطية كبرى.

وإن قيام القوى الديمقراطية في منطقة الاندو باسفيك بالسعي إلى مزيد من التعاون يعني تدعيم نظام شامل مبني على الأحكام والقوانين، وهو نظام يعكس السلام والرخاء والاستقرار وحرية الملاحة في المنطقة، فهذه هي الطريقة الوحيدة لإحباط الجهود الصينية لترسيخ نفسها كدولة مهيمنة ضمن نظام إقليمي غير ليبرالي.

* براهما شيلاني

* أستاذ في الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات ومقره نيودلهي، وهو زميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين، ومؤلف تسعة كتب بما في ذلك كتاب "الطاغوت الآسيوي"، وكتاب "المياه: أرض المعركة الجديد في آسيا"، وكتاب "المياه والسلام والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية".

«بروجيكت سنديكيت، 2017» بالاتفاق مع «الجريدة»