صباح يشرب البرتقال

  • 06-11-2017

"تخليت عن رحلة البحث عن الخلود، ووجدت نفسي أسير في الطريق الذي يرتاده العامة من الناس"... هذه الفقرة وضعتها الشاعرة د. نجمة إدريس، إهداء لمقدمة ديوانها الجديد (صباح يشرب البرتقال)، الذي يلخص تماما رحلتها في الحياة ورؤيتها لها.

ديوان "صباح يشرب البرتقال" شعر رهيف غائر في أعماق روح شاعرة، تخلصت من كل القيود التي كبَّلت حياتها، وجاءت بديوان ينضح بجمال حقيقي لمشاعر فلتت من حزام الالتزام العائلي الاجتماعي وصرامة دور الأستاذة الأكاديمية الجامعية، لتأتي بديوان شعر متميز أتمنى ألا يمر مرورا عابرا، ليذوي بالنسيان، بل في رأيي انه شعر عالمي بمعنى الكلمة، يعكس هموما ووحدة، ربما تكون لكل امرأة تمر بها في سن معينة حين تتقاعد عن العمل، وتتواجه مع وحدة شاسعة المدى بعد طيران الأبناء لبناء مستقبلهم وفراغ أمكنتهم، وامتلاء القلب بالخيبات المتتالية لأحلام وردية هرولت محطات العمر صوبها بلا جني أي فائدة ترجى منها، وكما كتبت: "حين يفرغ القلب/ ويُصبح كحجرة خالية/ مطلية باللون الأبيض/ حجرة مفتوحة النوافذ/ على الخلاء/ بلا كرسي للانتظار/ أو سرير للسهد".

ديوان مهم لشعر النضج ووضوح الرؤية، بعد انزياح ستار الخيبات والأحلام التي لم تأتِ بثمارها. شعر تمنيت لو أني لي صفحة كاملة لأكتب عن رجفة الروح وخفقان القلب الآتية منه، بعد انتهاء صخب الحياة، والركون في زاوية المراقبة بصمت وتنصت لكل نأمة من تفاصيل أيام كانت لها أو بها أو من حولها، أو ربما لم تكن ولم تعشها، وليس لها أي جدوى: "أبحثُ عن جدوى/ كأنها ابنتي الوحيدة/ التي أضعتها في الزحام/ أو توأمي الذي/ أسقطته أمي/ ذات طلق عسير".

القصائد تحمل شجنا يعذب الروح، ووحدة شاسعة لا أحد قادرا على اختراقها، محمَّلة بالإحباطات وكآبة الروح حين لا تجد مكانها إلا بانطوائها بذاتها، لتكتب شعرا للمواجع التي تحصدها مشاعر شاعرة هفهافة لم تجد جنتها، وخاصة عندما تحال للتقاعد، وتتبدد أحلى سنوات العمر كغبار مضى، ويكبر الأولاد وتهاجر العصافير، لتبني أعشاشا جديدة لها، ولا يبقى في البيت إلا الذكرى لزمن ضاع ولم نلملمه، وتبقى خيبات العمر وعدم الجدوى وحدهما يتجولان في ذاكرة تنهش بالسؤال، كلما دقت ساعات الفراغ في عقارب الوحدة: "حين باتت/ تكوم ثيابها/ في غرفة الجلوس/ كيفما اتفق/ وتهملُ بقع القهوة/ وبقايا الطعام/ وتغسل الأطباق/ بساعتها الثمينة/ بلا مبالاة/ حين باتت/ تنسى الأصدقاء/ وتدمن الوحدة/ وتشخص في/ شاشة الفيسبوك/ بلا بهجة/ حين بهتت أحاديثنا/ وكثُر الصمت/ وتغير طعمُ/ فطائر الزعتر/ ونكهة النعناع/ أدركتُ حينها/ كيف تتحول الريح/ ويتفتتُ الوقت/ كبسكويت هش/ وكيف يتكوم/ في رأسينا الغيم/ على مهل/ ليمطر رهيفاً/ وحزيناً/ ومثقلا بالحنين".

"تتفتت قامة اليوم/ قطعة قطعة/ وأنا أمسحُ الغبار/ أو أسخنُ الشوربة/ أو أبحثُ عن فردة الجورب الأخرى/ أو حتى حين أسقي اصيص الزرع/ وألوبُ باحثة عن نظارتي/ تتفتت ساعات اليوم/ ساعة ساعة/ تحت أصابع اللاجدوى/ كما يتفتت الخبز/ أو كما يُنخل الطحين/ في المساء/ تربضُ ذبالات اليوم/ مكسورة القامة/ كصفيحة فارغة".

الديوان مليء بمشاهد الحياة العفوية الرهيفة الرقيقة المصقولة بإحساس ورؤية شاعرة أطلقتها ألماسة يخطف نورها قلب قارئ ينتظرها: "نسيت أن أكون/ امرأة أخرى/ لمَ لا؟!/ أو حصاة/ أو أكرة باب/ أو زر قميص/ أو حتى عشبة نحيلة/ في طريق السابلة/ علني أرى الضوء/ من زاوية أخرى".

"الريشة الناقصة!/ دائما هناك ريشة ناقصة/ أيها الجناح/ تجعل الرقصَ أشد وطأة/ من الطيران".

أو حين يعذبها غياب انتظارات الأبناء عندما يكبرون، ولا يبقى إلا الهواء يوصوص عبوره في ثقوب انتظارات معذبة: "أنت هناك/ وأنا هنا/ أغزلُ الوقت/ بنصف قلبي/ خيطاً خيطاً/ وساعة ساعة".

شعرها يهز قلبي، ويحولني إلى نسمة تمس شعرها، وتطبطب على روحها، فهذه العودة إلى الذات والتخلي عن كل ما هو زائد وفائض عنها ولا حاجة له، ليس إلا ركام حجر يثقل روح الشاعرة ليطمسها، وعندما تحررت من التزامات أعبائها عادت هي لها، وعادت الشاعرة لذاتها: "حين قررتُ/ أن أعزف لنفسي/ وأرقص لنفسي/ وأكتبَ لنفسي/ عادت إليّ كل المسرات/ التي سرقها الآخرون".

"صباح يشرب البرتقال" متعة للروح والعقل والقلب.