ما قــل ودل: مخالفة قرار زيادة الرسوم للمادة الأولى من قانون التأمين الصحي

  • 05-11-2017

في مقالين متتاليين حول الرسوم على الخدمات الصحية التي فرضت بالقرار الوزاري رقم 293 لسنة 2017 على المقيمين في هذه الصفحة يومي الأحد والثلاثاء الماضيين تحت عنوان "الرعاية الصحية حق دستوري للمواطن والمقيم

لا تملك الدولة سلبه أو تتسلب من التزامها به"، تناولت فيما تناولته فيهما مخالفة القرار الوزاري لقانون مزاولة المهنة رقم 25 لسنة 1981 بشأن مزاولة مهنة الطب فضلا عن مخالفة القانون رقم 1 لسنة 1999 بشأن التأمين الصحي، ولعل ثالثة الأثافي في مخالفة القرار الوزاري لهذا القانون الأخير ما نصت عليه مادته الأولى من أن: "تقدم الخدمات الصحية للأجانب المقيمين في البلاد بنظام التأمين الصحي والضمان الصحي وفقا لأحكام هذا القانون وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية".

ارتباط الرعاية الصحية بالدين

وأزعم أن من أمارات التوفيق في قانون التأمين الصحي هو ربط المادة الأولى تقديم الخدمات الصحية بأحكام الشريعة الإسلامية، لأمرين:

أولهما: ارتباط مهنة الطب بحياة الإنسان، وآلامه، وموته.

وهو ارتباط قديم الأزل، يشهد عليه التداخل بين وظيفتي الكهانة والتطبيب في مصر القديمة، وكانت مدارس الأحبار اليهود تدرس منهاجا في الطب، وكان ابن النفيس الرائد الأول في علوم الطب يكتب في الحديث وأصول الفقه، وكان المحتسب في نظام الحسبة الإسلامي يراقب اختيار الأطباء والكحالين والمجبرين والجراحين ويأخذ عليهم عهد بقراط، وهو أبو الطب، ومن إفرازات الحضارة الإغريقية وهو القسم المشهور، الذي استهله بقوله "إني أقسم بالله رب الحياة والموت وواهب الحياة والموت، وواهب الصحة، وخالق الشفاء، وكل علاج".

ثانيهما: أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وفقا للمادة الثانية من الدستور.

وهو ما يفرض على الدولة التزامات ومسؤوليات الدولة المسلمة، ولئن كانت هذه المادة قد حملت المشرع أمانة الأخذ بمبادئ الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، فإنه بموجب المادة الأولى من قانون التأمين الصحي، قد ألزم المشرع نفسه وألزم وزير الصحة بالقرارات التي يصدرها إعمالا للمادة 11 من هذا القانون بأحكام الشريعة الإسلامية عندما نص قانون التأمين الصحي على تقديم الخدمات الصحية للأجانب وفقا لأحكامه بما لا يتعارض وأحكام الشريعة الإسلامية.

فجاء القرار الوزاري سالف الذكر بفرض هذه الرسوم مهدرا لكل هذه الأحكام في العدل والمساواة والرحمة، بالنسبة إلى الأغلبية العظمى من المقيمين الذين تتدنى أجورهم دون حد الكفاية، الذي يجب على الدولة توفيره لكل مقيم على أرضها وفقا لأحكام ديننا الحنيف.

للمقيم ما للمواطن وعليه ما على الأخير

وفي سياق الحديث عن هذا القرار أسوق فتوى أصدرها الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية في 17 نوفمبر سنة 1904، وهو أحد عظماء وأعلام وأئمة الإسلام الذين أشاد بهم المنصفون من المستشرقين، وحسبنا أن نقول إنه ما من حركة من حركات الإصلاح في أي ميدان من ميادين الإصلاح في هذه الفترة في مصر وفي الوطن العربي إلا تعود إليه، عندما سئل عن موقف الإسلام من الجنسيات، وحكم المسلم إذا دخل مملكة إسلامية، هل يعد من رعيتها؟ له ما لأهلها وعليه ما على رعاياها، على الوجه المطلق؟ وهل يكون تحت شرعها فيما له وفيما عليه، عموما وخصوصاً؟ وما الجنسية عندنا؟ وهل هي حقوق وامتيازات لحاملها؟

أجاب الإمام محمد عبده في فتواه التي أصدرتها دار الإفتاء المصرية في 17/11/1904 ردا على هذه الأسئلة "أن وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه، ويتخذ فيه طريقة كسبه لعيشه، ويقر فيه مع أهله إن كان له أهل، ولا يُنظر إلى موطن مولده ولا إلى البلد الذي نشأ فيه، وإنما بلده ووطنه الذي يجري عليه عرفه ويُنفذ فيه حكمه هو البلد الذي انتقل إليه واستقر فيه، فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته دون سواه من سائر الحكام، وله من حقوق رعية ذلك الحاكم ما لهم وعليه ما عليهم، لا يميزه عنهم شيء لا عام ولا خاص.

أما الجنسية فإنها تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية، وهو ارتباط أهل قبيلة واحدة أو عدة قبائل بنسب أو حلف يكون من حق ذلك الارتباط أن ينصر كل منتسب إليه من يشاركه فيه، وقد كان لأهل العصبية ذات القوة والشوكة حقوق يمتازون بها على من سواهم.

وقد جاء الإسلام فألغى تلك العصبية، ومحا آثارها، وسوى بين الناس في الحقوق، فلم يبق للنسب ولا لما يتصل به أثر في الحقوق ولا في الأحكام، فالجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة.

فالاختلاف في الأصناف البشرية، كالعربي والهندي والرومي والشامي والمصري والتونسي والمراكشي، لا دخل له في اختلاف الأحكام والمعاملات بوجه من الوجوه، ومن كان مصريا وسكن في بلاد المغرب وأقام بها جرت عليه أحكام بلاد المغرب ولا ينظر إلى أصله بوجه من الوجوه.

هذا ما تقضي به الشريعة الإسلامية، وعلى اختلاف مذاهبها لا امتياز في الحقوق بين مسلم ومسلم، فالبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده، ولأحكام هذا البلد السلطان عليه دون أحكام غيره من البلدان، والله أعلم".

لا عصبية في الإسلام

وقد استشهد الإمام الأعظم الشيخ محمد عبده في هذه الفتوى بما رُوي عن النبي أنه قال صلى الله عليه وسلم "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية- أي عظمتها- وفخرها بالإباء، وإنما هو مؤمن تقي... الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب" و"ليس منا من دعا إلى عصبية"، وفي البخاري ومسلم والإمام أحمد "ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية".

حقوق غير المسلمين

وأحكام الإسلام لا تقف عند حقوق المسلمين المقيمين في دولة إسلامية، بل تمتد إلى حقوق كل إنسان مقيم على أرضها، كسنّة من سنن الله على أرضه "وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ". صدق الله العظيم. ويقول المولى عز وجل "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين"، والبر هو فعل الخير برعاية المقيمين على هذه الأرض الطيبة وتقديم يد العون والمساعدة لهم في كل ما تتطلبه ضرورات الحياة من رعاية صحية وتعليمية وغير ذلك من ضروب الوظيفة الاجتماعية للدولة.

ولعل قصة اليهودي الذي رآه سيدنا عمر بن الخطاب ذات مساء يتسول، فأمر له بسهم في بيت المال من عطاء المسلمين، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ (أمثاله)، فَوَ اللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَنْ أَكَلْنَا شَبِيبَتَهُ (شبابه) ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ (الشيخوخة).

وهو ما ينطبق على خذلان كل مريض على هذه الأرض الطيبة من ديار الإسلام.