لجان الترضيات تهدم دولة المؤسسات!

  • 10-04-2017

كان موضوع سحب الجناسي وإسقاطها واحداً من الموضوعات التي تناولها وتداولها عدد من المرشحين للانتخابات، بل كان من أولويات بعض من وصلوا إلى المجلس وأصبحوا أعضاء فيه.

وتطور هذا الموضوع حتى غدا أحد الملفات الساخنة التي أثّرت حتى على طبيعة التشكيلة الوزارية، وصار ورقة ضغط ثمينة يلوح بها عدد من النواب، إلى أن جاء قرار بتشكيل لجنة لبحث هذه القضية، وهي "لجنة النظر في الجناسي المسحوبة لكل من صدر في حقه قرار أو مرسوم (سحب أو فقد أو إسقاط)".

ومع إعلان تشكيل هذه اللجنة وكشف أسماء أعضائها بدأت التساؤلات تتلاحق، وكلها مشروعة، وأولها: لماذا تُشكَّل لجنة مهمتها انتزاع عمل القضاء والتعدي على اختصاصاته؟ ولماذا هذا التوقيت لتشكيل تلك اللجنة؟ وهل جاءت انعكاساً واضحاً وترجمة فورية لمخرجات الانتخابات ونجاح من كان خطابهم السياسي قائماً على موضوع سحب الجناسي أو إسقاطها؟

ثم يأتي تشكيل اللجنة، ليزيد علامات الاستفهام تعجباً، فهي تضم ثلاثة قطاعات رئيسية، ممثلة في مجلس الوزراء، وإدارة الفتوى والتشريع، وإدارة الجنسية، وهي قطاعات حكومية كانت معنية ومسؤولة عن السحب والإسقاط، فكيف ستحاسِب تلك الجهات نفسَها على ما اتخذته من قرارات؟ هل تناقض آراءها فتلغيها؟ أم ستتمسك بما كانت تراه؟ وهل يمكن ضمان حياديتها في مثل هذه الحال؟!

وبمعنى أبسط: هذه الأطراف الثلاثة هي التي اتخذت قرارات السحب والإسقاط، فكيف تحاسب نفسها وكيف تبرر إعادة النظر في ما اتخذته من قرارات دون أن تناقض نفسها؟ وإذا ثبت أن هناك ظلماً، فهل سيقف الموضوع فقط عند هذا الحد؟ ألن تكون هناك محاسبة ومساءلة لمن اتخذوا هذه القرارات الظالمة؟ أوَليست هذه الأطراف مثلما هي مسؤولة عن السحب معنية في الوقت ذاته بالمنْح الذي شهد تجاوزات ومثالب عديدة، مما يستدعي فتح جميع ملفات التجنيس خلال الفترة التي حددتها اللجنة أمس لقبول التظلمات لأنها أصبحت موضع شك؟ أوَليس من حق الناس أن تعرف من المسؤول عن ذلك؟

ويزيد الطين بلةً اختيار أشخاص لهم مواقف ومصالح سابقة في موضوع سحب الجناسي، فكيف سيتعاملون بحيادية مع هذا الموضوع؟

لقد بدأت اللجنة أعمالها، فكان أول القصيدة كفراً، كما يقال، إذ حددت في إعلانها المنشور أمس فترة إعادة النظر في الجناسي المسحوبة من أول التحرير (26/2/1991) إلى (3/4/2017)، ثم عادت، بعد ضغط نيابي، لتتدارك خطأ تحديد المدة بخطأ أكبر، وتعلن على لسان رئيسها تلقيها كل التظلمات بما فيها مرحلة ما قبل الغزو، لتتوسع بذلك دائرة الشك والريبة حول قرارات منح الجنسية وسحبها قبل الغزو وبعده، في اعتراف حكومي صريح بأن تلك القرارات مسيسة، مما يؤكد مدى التخبط الذي يشهده هذا الملف المهم.

وبات واضحاً أن اللجنة منذ إعلانها، مروراً بطريقة تشكيلها حتى أول إعلاناتها، إنما هي صيغة من صيغ الترضيات النيابية التي ابتُكِرت فقط درءاً لأي مساءلة أو محاسبة سياسية، لا لحل المشكلة والخروج منها.

إن هذا النمط من التعامل مع المشكلات الناتجة عن تجاذبات سياسية عبر اللجوء إلى تشكيل لجان للمعالجة، هو تعدٍّ على مؤسسات الدولة وكياناتها القانونية، وهو تقليم لهذه المؤسسات بل إلغاء لدورها، لتحل اللجان الآنية القابلة للتطويع والتوجيه بديلاً عن القوانين والمؤسسات، وسنتحول من دولة مؤسسات وقوانين وأنظمة إلى دولة لجان، كل لجنة تلد أخرى... ولن تكون لجنة إعادة النظر في سحب الجناسي إنهاء لمشكلة أو طياً لملف، بل ستكون باباً مفتوحاً لمشاكل أكبر وأكثر، وطريقاً لفتح ملفات أعقد.

الجريدة