الرفة القهوة صايدة

  • 05-10-2007 | 00:00

جرت هذه القصة إبان حكم الأمير محمد العبدالله الرشيد، ففي احد الأيام، وعند جلوس الأمير محمد في مجلسه امر بالقهوة لضيوفه كالعادة، وكان في المجلس (علوش بن ظويهر العنزي) وهو شخص على دراية بصنع القهوة وبطعمها.

فلما وصل الفنجان الى علوش، ورشف منه رشفة تغير وجهه، إذ وجد طعما غير مستساغ في القهوة، فسكب القهوة وراءه بتستر لكيلا يراه احد، لان في ذلك اهانة لصاحب المجلس، ولكن ابن رشيد رآه، فقال بصوته الجهوري: (وراك كبّيت الفنجال يا علوش؟!!).

فأجاب علوش: (يا طويل العمر... ما لي نظر بالقهوة اليوم) أي لا ارغب بشرب القهوة. فرد عليه ابن رشيد بغضب اكبر: (اشلون مالك نظر بالقهوة، وانت لك كم يوم عندنا تشرب منها؟).

فطلب علوش الامان ليقول الحقيقة، فأعطاه اياه، فقال علوش: (الحقيقة ياطويل العمر... القهوة صايدة) أي تحتوي على طعم غريب. فاستغرب ابن رشيد، وقال: (صايدة؟! وش صايدة؟؟).

فرد علوش: «قهوتك صايدة قعسي، وان ما كانت صايدة رقبتي لك رهينة)، والقعسي حشرة صغيرة سوداء. فأمر ابن رشيد ان يؤتى بالدلة، وقدر لتصب فيه، وان يوضع على القدر ليف ليصفي البن، وفعلا صبت الدلة على الليف وبعدها قام الامير يحرك البن اللي تجمع على الليف يعود، وفعلا وجد حشرة القعسي مهترئة ويابسة. وهنا سأل ابن رشيد علوش: (اشلون عرفت ان بالقهوة قعسي)؟

فأجاب علوش: (القهوة يا طويل العمر به طعم حموضة!!).

والتفت ابن رشيد على احد اخوياه وسأل عن مدة بقاء علوش، وامر بابقائه لاختباره، ثم اختلى ابن رشيد بخوياه يسألهم عن الاشياء اللي تضاف الى القهوة من دون ان يظهر لها طعم، فأشار بعضهم ببعض نباتات البر، وغير ذلك.

فأخذ ابن رشيد يأمر القهوجي بان يضيف ما قالوه الى القهوة، ويبهرها ويصب.

ولما جاء علوش، وشرب القهوة سأله ابن رشيد: (ها يا علوش.. القهوة به طعم شين اليوم؟).

فأجاب علوش (إي نعم يا طويل العمر... به طعم عرفجة!!... به طعم نينخة)

فزاد استغراب ابن رشيد، وظل يبحث عن شيء يخفيه في القهوة، ولا يعلمه علوش، فأتى أحد أصحاب الأمير قادما من الحج ومعه مسواك جديد طري وعلم بالتحدي بين الأمير وعلوش، فأشار بأن يأخذ جزءا من قشرة المسواك، ويضيفها الى الهيل ويبهر القهوة فيها، ولكن علوش قال: (إي والله يا طويل العمر... القهوة به طعم راك!!!).. أي شجرة الأراك التي يؤخذ منها المسواك...

وآخر ما فكر به ابن رشيد أن يأمر القهوجي بأن يطبخ مع القهوة فنجان حب بن نيئ أخضر غير محموس، وفنجان بن محروق تماما، وقال للقهوجي: (اطبخها وبهر وصب لعلوش).

وقال لعلوش سؤاله التقليدي: (هاااا يا علوش... تشوف به طعم شين اليوم؟؟؟).

فرد علوش: (إي والله يا طويل العمر... به طعم نيات... وطعم حرق).

وهنا أيقن ابن رشيد أنه مهما حاول أن يخفي الطعم الغريب سيعرفه علوش، وأيقن من درايته بالقهوة وطبخها وصنعها، فقال له: (اسمع يا علوش... كل ما يصير القمر مثل الباكورة بالسما... وجهك وأشوفك.... وكل ما ينوبك من قهوة ومعاميل عليّ إلين أموت)... أي كلما اكتمل القمر وأصبح دائريا بدرا تعال إلينا لكي نعطيك ما يلزمك من قهوة وأدوات لصنعها إلى أن أموت، وهذا العرض قائم.

وحضر هذه الحادثة الشاعر الفارس محمد أبا الروس الذويبي (من قبيلة حرب) وأنشد الأبيات التالية:

تستاهل الكيف الحمر يا بن وايل

أنت الذي تستاهل الكيف كله

يا للي نقدته وسط ديوان حايل

لولاك يا علوش محدٍ فطن له

بدلال من يقعد صغا كل عايل

(الضيغمي) ريف اليدين المقله

الضيغمي مردي المهار الأصايل

يا ما أنقطع بساقته من سجله

يا بن ظويهر ما بها قول قايل

تستاهل الفنجان لا جا محله

يا ناقد الدلال بحكم الدلايل

يا ريف هجن والمزاهب مقله

ربعك بني وايل مجاز القبايل

أهل الجموع الراسية والمظله

زبن الدخيل اليا توطاه طايل

الجمع دونه، والرمك مردف له

وتجدر الإشارة إلى أن بعض أحداث هذه القصة تروى لدغيم الظلماوي الشمري مع ابن رشيد. وهو معروف أيضا بمعرفة القهوة وقصيدته فيها جوهرة القلادة في هذا المجال.