صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4169

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما قل ودل: من أجل حماية العدالة والمشروعية وصون الحقوق الدستورية

  • 07-04-2019

إن القضاء في كل أمة من أعز مقدساتها، فهو ملاذ المظلوم وسياج الحريات وحصن الحرمات، وويل لأمة لا يوقر قضاتها ولا يصان استقلالهم في أداء واجبهم، إذاً لذهبت بددا، فالعدل أساس الملك.

على هامش حكم التمييز

وهو الحكم الذي تناولناه في مقالين متتاليين على هذه الصفحة يومي 24 و31 من مارس الماضي، والذي التبس على البعض فهم حجيته، وكان لزاما علينا في أولهما أن نؤكد أن حجية حكم التمييز مقصورة على الخصومة التي صدر فيها، وليست له الحجية المطلقة التي لأحكام المحكمة الدستورية والتي تلزم الجميع كما تلزم سائر المحاكم، وقد خالف هذا الحكم ما أرسته المحكمة الدستورية من مبادئ في حق الاجتماع وحرية الرأي والتعبير التي هي وحق الاجتماع صنوان لا يفترقان.

وهو ما يطرح سؤالا مشروعا هو: لماذا ألغت محكمة أول درجة القرار ولم توقف تنفيذه؟ وقد كان وقف تنفيذ القرار الإداري في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها فوات الوقت، والمحكمة في وقف تنفيذ القرار ترد عدوانا باديا للوهلة الأولى على حق دستوري هو حق المواطن في الاقتراع العام، وحقه في الترشح للانتخابات البرلمانية، فهي في وقت التنفيذ لا تحسم النزاع بين الطرفين، "الداخلية" و"المواطن" الذي حجب عنه استخدام حقه الدستوري، بل يكون بحثها في وقف تنفيذ القرار بحثا عرضيا عاجلا تتحسس به ما يحتمل أن يكون وجه الصواب في طلب وقف التنفيذ، ويبقى موضوع إلغاء القرار سليما يتناضل فيه ذوو الشأن عند نظره أمام المحكمة نفسها، خصوصاً أن موضوع الدعوى لا يتعلق بحقوق شخصية قد يغتفر التجاوز عن الخطأ فيها، بل يمس حقا للأمة كلها التي سيمثلها المرشح نائبا عنها، أو هو حق الشرع في الفقه الإسلامي، وقد يتمخض عدوانا على حق دستوري.

ولعل محكمة أول درجة قد فاتها فى تسرعها بإلغاء القرار أن بحثها المتعجل للأمر المقضي به وحماسها البالغ لإلغاء القرار، أن حكمها غير قابل للتنفيذ إلا بعد الفصل في الطعن بالاستئناف أو انقضاء ميعاد الطعن دون رفعه، أما الحكم بوقف تنفيذ القرار فإنه يمكن تنفيذه بمسودة الحكم الأصلية.

تعديل قانون الدائرة الإدارية ملح

لهذا وحماية لمبدأ المشروعية ذاته ولحسن سير العدالة، أناشد المشرعين، وأناشد الحكومة، تعديل قانون إنشاء الدائرة الإدارية، بما يوجب على المحكمة بسط رقابة المشروعية على القرارات التي يبدو من الوهلة الأولى أنها تتعلق بحق دستوري أو بحق عام أن تحكم بوقف تنفيذ القرار، إذا كان يخشى فوات الوقت، بدلا من إلغائه إذا رأت هذا الإلغاء، حتى لا يقع الحق الدستوري في المأزق القضائي الذي وقع فيه حق التجمع وحق الاقتراع العام، وهو المأزق الذي تناولناه فى مقال الأحد الماضي.

ولا يحتاج هذا التعديل إلى مبرر غير محاكمة القرار الماثل أمامنا، فقد استغرقت محاكمة القرار الصادر بحرمان مواطن من حق الترشح للانتخابات البرلمانية أمام ثلاث درجات من التقاضي، أقل من ثلاثة أسابيع هي الفترة من 21/ 2 التاريخ الذي نظرت فيه المحكمة الدعوى وأصدرت حكمها بإلغاء القرار، حتى صدور حكم محكمة التمييز في 14/ 3، مرورا بحكم محكمة الاستئناف في 10 مارس بتأييد حكم أول درجة، حسمت فيه المحاكم الثلاث النزاع حول حق دستوري حرم منه مواطن، وبما يمس سمعته وسيرته بين ربعه وعشيرته وفي وطنه، وأهليته لتولي النيابة عن الأمة، باعتباره حقا كفله الدستور لكل مواطن، هو أمر يفوق حسمه قدرة البشر في هذه الفترة القصيرة.

31 مارس 1954 يوم له تاريخ

وفي سياق الحديث عن قضاء المشروعية فإن 31 مارس الماضي هو يوم له تاريخ في قضاء المشروعية، من عام 1954، الذي أصدرت فيه الجمعية العمومية لقضاة المشروعية في مجلس الدولة المصري بيانهم الشهير بإدانة الاعتداء الغاشم الذي وقع على رئيسه الراحل وأستاذ الأجيال كلها الدكتور عبدالرزاق السنهوري في 29 مارس 1954، وهو قابع في مكتبه يدرس إحدى قضايا المشروعية، التي لطخت دماؤه أوراقها إثر هذا الاعتداء، ولأن بيان الجمعية العمومية لمجلس الدولة سالف الذكر يعتبر وثيقة تاريخية مهمة في تاريخ قضاء المشروعية، ولأهمية هذا البيان في تاريخ هذا القضاء رأيت نشره في عجز هذا المقال، وكنت قد عزمت على نشره فى 31 مارس فى مقالي الأحد الماضي، إلا أنني أرجأت هذا النشر إلى اليوم لاستكمال استجلاء الحقائق حول حكم التمييز سالف الذكر يوم الأحد الماضي.

بيان الجمعية العمومية لقضاة المشروعية

إن القضاء في كل أمة من أعز مقدساتها، فهو ملاذ المظلوم وسياج الحريات وحصن الحرمات، وويل لأمة لا يوقر قضاتها ولا يصان استقلالهم في أداء واجبهم، إذاً لذهبت بددا، فالعدل أساس الملك.

ومجلس الدولة منذ إنشائه يقوم على رسالة بالغة الخطر، فهو إلى جانب كونه مساعد الدولة في الفتيا والتشريع ومستشارها الناصح الأمين في المسائل الدولية والدستورية والقانونية يقوم بمهمة القضاء الإداري لإنصاف الشعب من حكامه إن تحيفوا وانحرفوا عن الجادة واندفعوا وراء الشهوات ولم يتبغوا وجه المصلحة العامة.

ومجلس الدولة منذ إنشائه قد أدى واجبه كما ينبغي، فتعرض في عهد الطغيان السابق لما تعرض له من كيد على ما هو معلوم، فلم تلن قناة رجاله في سبيل الحق، حتى وقر في قلب الشعب وإن لم يقر في ضمير الطغاة، وجاءت الثورة فكان من بواكير أعمالها أن عمدت إلى تدعيم استقلال المجلس مما يذكره لها بالحمد.

لهذا روع سندة العدالة وهم في محاربهم يؤدون واجبهم بجموع تهتف بهتافات عدائية ضد المجلس ورئيسه، وتقتحم حرمة دار القضاء للفتك برئيسه.

وقد اعتدوا عليه اعتداء منكرا مروعا داميا، وأعلموا التخريب والإتلاف في مبنى المجلس وفي قضايا الناس، ولم يخفف حدة الاعتداء عليه، إلا سكرتيره الذي ارتمى عليه فأصابه ما أصابه، بغية إنقاذه.

وليس لمثل هذا الاعتداء على قدسية القضاء بهذه الصورة الشنعاء سابقة كهذه في تاريخ القضاء المصري أو في أية أمة متحضرة، مما يحز في نفس كل مصري مخلص لوطنه.

ويؤلمنا أن نصرح بأننا أصبحنا نشعر بعدم الاطمئنان والاستقلال في أداء رسالتنا إن لم تبادر الحكومة إلى الضرب على أيدي العابثين ومحاكمة المقصرين في أداء واجبهم لرد هذا الاعتداء.

وفي اليوم الذي يشعر فيه القاضي بأن كرامته مهدورة واستقلاله مزعزع ليس عليه، طبقا لجميع الشرائع السماوية والوضعية، سوى واجب وحيد هو أن يريح ضميره بأن يعتزل وظيفته مادام لا يستطيع أداء رسالته كما ينبغي.

ولهذا قررت الجمعية العمومية اعتبار اجتماعها مستمرا حتى توافي بتصرف الحكومة في هذا الشأن.

عدو للوطن أو خائن له

وبالرغم من قوة هذا البيان وجرأته فقد كان رد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بوصفه رئيسا لمجلس قيادة الثورة رداً على هذا البيان أكثر قوة في رسالة بعثها إلى مجلس الدولة. يقول فيها إنه "لا يمكن أن يجترئ على حرمة القضاء إلا عدو للوطن وخائن له".

حيث يرى الكثيرون من المقربين من الأحداث أن الرئيس جمال عبدالناصر لم يكن له أدنى صلة بهذا الاعتداء، ويرون أنه كان بتدبير رجال الثورة من الصف الثاني، وعلى رأسهم أنور أحمد، وأن الرئيس لم يكن يعلم بهذا التدبير.