صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4126

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الحب اليوم

  • 09-01-2019

الحب بين الشاب والفتاة / الرجل والمرأة، وفي كل الأزمان، هو كائن حي، حي بأن يتخذ من لغة العصر والبيئة، بمفرداتها وكلماتها وجُملها وأساليبها وموسيقاها وأغانيها، رسائل بين العشاق؛ شفاهة وكتابة، وحي بأساليب الوصل واللقاء بين العاشق والمعشوق، وحي في مآربه الباطنة والظاهرة. والحب بذا يمثل وجهاً معبِّراً ودالاً على روح العصر وطبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي يحياها الناس في أي بقعة من العالم. الحب الذي يشكِّل العلاقة الأساسية بين الرجل والمرأة، ويضمن امتداد وضمان الجنس البشري، وبالتالي يبلور علاقة أفراد الأسرة والمجتمع بأسره.

وبالوقوف أمام علاقات الحب في المجتمعات العربية، على سبيل المثال، يتضح أن شكل علاقات الحب في العصر الجاهلي غيرها في عهد صدر الإسلام، وهي تختلف تماماً عن شكل ووصل علاقات الحب في ظل الدولة الأموية بالشام، والعباسية في بغداد، وعن تلك التي ترعرعت في الأندلس بعد وصول العرب والإسلام إليها. وهذا يقود إلى الاتفاق على أنه ليس من صورة ثابتة للحب، وأن كل حبٍ، وبقدر ما هو ممارسة بشرية شخصية خاصة جداً، يمثل إفرازا وانعكاسا جليا لحال المجتمع، بانفتاحه وتسامحه، أو انغلاقه وتشدده، وهو يعبِّر عن بحبوحة الوضع المادي وطبيعة النظام السياسي. وبناءً على ذلك يمكن تصوُّر شكل العلاقة بين الفتاة والشاب اليوم، وفي مختلف أنحاء العالم.

البعض يردد: ما عاد يوجد في وقتنا الراهن حب وغرام وهيام بين الشباب في مختلف بقاع الأرض، كما هو قبل قرون مضت، وأن التكنولوجيا قتلت فيما قتلت الحب، وكنست الممارسة الرومانسية بين الشاب والفتاة وبين العاشق والمعشوق، وأن الشوق والوله والأحلام الجميلة ما عاد لها من مكان في زمن محادثات وصور التلفون الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الاتصال المجانية حول العالم.

أرى أن الحب قرين الحياة البشرية، وأنه لا يمكن أن يستقيم وجود الإنسان وسياق الوجود البشري من دون الحب، لكن لكل عصر حباً يشبهه وينطق بلسانه، كما أن هناك حباً يملأ أرجاء المعمورة، وحباً يحمل قلوب فتيات للتعلق بشباب، وحباً يحرِّك الشباب لتصوُّر محبوبات هن الحلم المقترن بالغد والأسرة والأطفال والاستقرار.

نعم، حب اليوم له صوره ونبضه ولغته وهداياه، لكن، وكما في كل زمن؛ هو حب وشوق ولهفة وحلم يجعل من الغد اليوم المؤمّل والزاهي باخضراره. وبالتالي، فإن القول بعدم وجوده بين شباب اليوم عارٍ عن الصحة، لأنه بعيد عن طبيعة الحياة البشرية.

صحيح أن حب اليوم يقوم على رسائل التلفون الذكي، وربما على رسائل الإيميل، وصحيح أن حب اليوم يختلف في معاناته عن حب الأمس، وأن الشاب ما عاد يتربص بمرور الفتاة النادر والغالي ليسرق النظر إليها، ويشفي شيئا من شوق قلبه إليها، لكن الصحيح أيضاً هو أن الشوق هو الشوق، والمعاناة هي المعاناة، وأن شابا يرى الكثير من صور الفتيات مبعثرة أمامه ومن شتى بقاع الأرض، سيرى في بخل حبيبته بالاتصال به وإسماعه لصوتها، أو إرسال صورتها إليه صدا ووجعا، وسيبقى يحلم بلقاء يجمع بينهما ويبلل شوق روحه بأن يسمع منها كلمة: أحبك.

دارت عجلة الزمن، لكن رفة القلب ما زالت هي هي في قلب الفتاة والشاب. دارت عجلة الزمن، لكن الانجذاب نحو فتاة بعينها وسيطرتها على تفكير شاب بعينه هو هو. دار الزمن، لكن تبادل شاب وفتاة مشاعر الحب، ومن ثم اصطدامهما بقوانين المجتمع القاسية هو هو. تغيَّرت الحياة، لكن اللهفة لم تزل تغلي في قلوب المحبين، ولم تزل كلمة الحب ساحرة وقادرة على أن تضيء ظلمة العيش.