صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رؤية واقعية لأزمة تغير المناخ

  • 06-11-2018

إن الحفاظ على درجات الحرارة العالمية أقل من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية هو أفضل أمل لنا في احتواء آثار أزمة المناخ الناتجة عن المظالم التاريخية وعدم المساواة، والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك ستكون من خلال الانتقال إلى نظام اجتماعي اقتصادي جديد.

وفقًا لأحدث تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وأكبر سلطة علمية في العالم بشأن الاحترار العالمي، فإن الحفاظ على درجات الحرارة العالمية أقل من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية هدف قابل للتنفيذ، ويمثل موقف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ خطوة نحو "الواقعية المتطرفة" التي لطالما دافع عنها العديد من ممثلي المجتمع المدني.

لا يعتمد الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ على مقترحات الهندسة الجيولوجية- مثل عزل المحيط العميق لكميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، أو "خفض توهج الشمس" عن طريق رش الغلاف الجوي بالأيروسول (الهباء الجوي)- لمكافحة الاحترار العالمي. يمكن لهذه الحلول النظرية أن تؤدي في الواقع إلى عواقب على السكان والنظم البيئية لا يمكن التنبؤ بها ، مما يزيد من تفاقم أزمة المناخ، والأزمات الاجتماعية والبيئية الأخرى التي نواجهها.

وبدلا من ذلك، يركز الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ في المقام الأول على كيفية تجنب تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، كما يؤكد على ضرورة إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي على الفور لضمان انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بنحو 45٪ بحلول عام 2030 وتخفيض صافي الانبعاثات بحلول عام 2050.

ولتحقيق هذه الغاية، يجب تحويل النشاط الاقتصادي ومواجهة ديناميكيات الطاقة المدمرة وأوجه عدم المساواة الاجتماعية، وتوضح مجموعة مختارات جديدة نشرتها مؤسسة هاينريش بول بعنوان "الواقعية المتطرفة من أجل العدالة المناخية"، الاستراتيجيات التي طورتها الحركات الاجتماعية الدولية والمجتمع المدني لإحداث هذا التغيير.

وتماشيا مع الهدف الرئيسي للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، نحن بحاجة ماسة إلى تراجع في إنتاج الوقود الأحفوري، وهذا يعني الحد من إنتاج واستكشاف النفط والفحم والغاز، وكما تشير مجموعة تغيير النفط الدولية، فإن اتخاذ إجراء مفاجئ أو متسرع يمكن أن يؤدي إلى "وقف مفاجئ لإنتاج الوقود الأحفوري، والتخلي عن الأصول، وتقويض الاقتصاد، وإلحاق الضرر بالعمال والمجتمعات التي تعتمد على الطاقة".

من خلال بناء قطاع الطاقة المتجددة، يجب علينا تجنب تكرار النظم التي أدت إلى عدم المساواة وخلق ديناميكيات مدمرة للطاقة في قطاع الوقود الأحفوري والصناعات الأخرى. وهذا يعني استبدال نهج السوق المدفوع بالاستثمار في إنتاج الطاقة بنهج يعتبر الطاقة سلعة عامة، مع الانتقال إلى الملكية الاجتماعية وإدارة إمدادات الطاقة.

وبناءً على سيادة الطاقة وتقرير المصير، فإن هذا النهج من شأنه أن يؤدي إلى إزالة الكربون بسرعة أكبر، بما في ذلك إضعاف مقاومة التغيير التي تميز أصحاب المصالح الخاصة، كما سيسهل هذا النهج إعادة هيكلة أنظمة الطاقة لخدمة الاحتياجات الاجتماعية والبيئية.

وثمة تحول آخر على نطاق النظام من شأنه أن يؤدي إلى تخفيضات كبيرة في الانبعاثات هو إنشاء اقتصاد دائر بدون نفايات، حيث يعود كل ما ننتجه ونستهلكه إلى الطبيعة، أو يمكن إعادة تدويره وإعادة استخدامه، لنأخذ مثلا إنتاج المنسوجات، الذي أدى في عام 2015 إلى توليد انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يبلغ مجموعها 1.2 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون. تعكس هذه الانبعاثات الهائلة- التي تفوق مجموع الرحلات الدولية والشحن البحري- ثقافة "الأزياء السريعة" التي تنتج الملابس بأسعار رخيصة، مع التجديد المستمر لخزانات الملابس. إذا خفضنا عدد ملابسنا بنصف الكمية، فإن إجمالي حجم غازات الدفيئة المنبعثة من هذا القطاع سينخفض بنسبة 44٪.

في مجال النسيج، لا يقتصر اقتصاد دائر بدون نفايات على استخدام الملابس التي يتم إنتاجها لفترة أطول فحسب، بل أيضا على تحسين إعادة تدوير المواد وتجهيزها، وذلك لتجنب عمليات التخلص من النفايات الناتجة عن الانبعاثات مثل الحرق، وستكون أكبر المكاسب إدماج عمليات إنتاج أقل تكلفة.

كما ينبغي اتخاذ تدابير مهمة فيما يتعلق باستخدام الأراضي (بما في ذلك التغيرات في الزراعة وتقسيم المناطق). ووفقا لحركة طريق الفلاحين العالمية "فيا كامبيسينا"، تمثل انبعاثات نظام الأغذية الصناعي- بما في ذلك انبعاثات الإنتاج، والأسمدة، والنقل، والتجهيز، والتعبئة، والتبريد، ومخلفات الطعام، وإزالة الغابات المرتبطة بتوسيع الزراعة الصناعية- ما بين 44 و57٪ من الإجمالي العالمي.

وحسب حركة طريق الفلاحين العالمية "فيا كامبيسينا"، سيعمل نظام الإنتاج الزراعي الإيكولوجي للفلاح القائم على السيادة الغذائية، والزراعة على نطاق صغير، والإيكولوجيا الزراعية، على خفض انبعاثات الكربون من الزراعة إلى النصف في غضون بضعة عقود. وقد ثبت نجاح هذا النهج: يغذي صغار المزارعين، والفلاحون، والصيادون، والمجتمعات المحلية، والعمال الريفيين والنساء والشباب، بالفعل 70٪ من سكان العالم، في حين يستخدمون 25٪ فقط من مواردهم الزراعية.

هناك أيضا حاجة لاستعادة النظم البيئية الطبيعية التي دُمرت، يمكن للغابات وأراضي المستنقعات، على وجه الخصوص، تخزين مئات غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ستعمل استعادتها على حماية التنوع البيولوجي والسكان المحليين، بما في ذلك مجتمعات الشعوب الأصلية التي انتُهكت حقوقها في حيازة الأراضي بشكل منهجي. وفي الواقع، فإن توسيع الأراضي التي تديرها الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية يمكن أن يحمي أكثر من 1000 غيغا طن من مخزون ثاني أكسيد الكربون.

وفقاً لتقرير صادر عن تحالف المناخ والأرض والطموح والحقوق، يمكن لمناهج النظم البيئية في قطاع الأراضي والتحولات الزراعية الإيكولوجية لنظم إنتاج واستهلاك الأغذية- بما في ذلك المزيد من الملكية المحلية- أن تساعد في تجنب 13 غيغا طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا، وتخزين ما يقرب من 10 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا حتى عام 2050، وسيمثل ذلك ما مجموعه 448 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون غير المنبعث بحلول عام 2100، أي نحو عشرة أضعاف الانبعاثات السنوية العالمية الحالية.

وإن الحفاظ على درجات الحرارة العالمية أقل من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية هو أفضل أمل لنا في احتواء آثار أزمة المناخ الناتجة عن المظالم التاريخية وعدم المساواة، والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك ستكون من خلال الانتقال إلى نظام اجتماعي اقتصادي جديد، وهذا يعني التخلي عن هاجس نمو الناتج المحلي الإجمالي- مما أدى إلى انتشار نماذج الإنتاج والاستهلاك المسرف، وتغذية عدم المساواة والظلم الاجتماعي والاقتصادي- لمصلحة نهج السلع العامة الذي من شأنه أن يجعل حياة الناس أفضل.

والمطالبة بهذا التحول ليس أمرا "ساذجا" أو "غير قابل للتطبيق سياسياً"، فهو نهج واقعي بشكل جذري، وفي الواقع إنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها تحقيق العدالة الاجتماعية مع حماية بيئتنا من التغير المناخي المدمر.

* باربرا أونموسيغ

* رئيسة مؤسسة "هاينريش بول".

«بروجيكت سنديكيت، 2018» بالاتفاق مع «الجريدة»