صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3958

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بياض

  • 18-08-2018

ليس الواقع الذي نعيشه هو سحابة الأحلام التي مكثت في مخيلتنا زمَناً.. بل إنّ الأحلام التي تتحقق تماماً نادرة.. لكني أدركتُ ما الذي يميّزها؟

تبقى الأحلام دائماً حرّة.. وتنطلق بعيداً عن سياج الواقع في آمال لتغييره، فإن لم يكنْ لنا هذا التغيير.. فليس من الصعّب أن نجعل الواقع هو الحلم الجميل ونندمج في مساحتنا المتاحة..

لنجرّب.. فكم مما أقنعنا أنفسنا بصعوبته أثبتت الأيام أنه سهل..

من الغبن أن نضيّع أنفسنا في الأحلام كثيراً..

فالواقع يحلم بنا.. يريدنا أن نكون سعداء به.. إذا ابتعدنا عن الواقع فاتتنا بعض لقطاته المميّزة..

ثم إنّه قدر الله لنا.. فلنحسنْ استقباله.. ومن رضي فله الرّضا..

ليس معنى أن تعيش الحب أن تذيب نفسك لترضي حبيبك.. وليس معناه أنكما تعيشان بلا عيوب في المدينة الأفلاطونية.. لكن معنى ذلك أن تغضّا الطرف.. أن يكون النقص مقبولاً.. أن تستسيغا الشرب من كأس واحدة.. أمّا حين تمسكان الملقط للبحث عن ذرات الخطأ في شخصيكما فإذن هو مفتاح الفراق..

ظلّت تغريد ترقب هذه اللحظة عمراً.. تتخيّل مُلكها كيف سيكون؟ وكيف ستقضي أوقاتها مع ذلك الأمير الذي التمعتْ في عينيه نجمة الحب؟

كانت الحياة بعد اقترانهما شفافة كالماء.. رقيقة كبتلات الورد.. وما يصدر من أحدهما يكون في عين الآخر تمراً مغموساً بالقشطة..

انتهى شهر العسل.. لكنّ أيامهما استمرت مسكّرة مسْكرة رغم بدء نسق الحياة المعتاد..

استأنف ربيع عمله.. واستأنفت تغريد رحلتها بين الكتب والقراءات والهوايات.. واكتشفتْ أنها تحب الطبخ.. وتأسرها طرق تزيين الأطباق.. تطبخ ثلاث مرات في الأسبوع.. فطبق اليوم يقسم نصفه للغد.. ووجبة آخر الأسبوع في منزل العائلة..

الجمعة كان يوم نظافة الملابس، والسبت يوم نظافة المنزل..

كان الأسبوع المنظّم فكرة مريحة جدّاً لتغريد التي أدركتْ أن زوجها رجل مشغول، وليس لديه وقت لينمّق لها الكلمات.. ليكافئها على رسائلها كل صباح حين يذهب إلى العمل.. لكنها رغم ذلك شعرتْ بألم مع مرور رسائل لا ردّ عليها: ولسان حالها (لمَ كلّ هذا التجاهل؟ هل انطفأ الحب بهذه السرعة؟).

وعندما عاد من عمله ذات يوم، كانت تلبس الفستان الورديّ الذي يحب فنظر إليها باسماً..

– مرحباً بالوردة..

فشعرتْ أنها الكلمة التي تنتظرها.. وأنّ شيئاً ليس صحيحاً من ظنونها يهاجمها..

دخلتْ المطبخ تجهّز الغداء، وهي تحدث نفسها:

– نعم.. كلمة يسيرة مع بسمته غيّرتْ من مزاجي، أهذه فطرة أنثى؟ أم سذاجة في شخصيتي؟ أم رهافة عليّ أن أتخلّى عنها؟

أحضرتْ الغداء في طبقٍ أنيقٍ مكثتْ تجهّزه أكثر مما ينبغي، لكنها لم تسمع تعليق استحسانٍ لمنظره، أو استطابة لطعمه، وأخذ ربيع يأكل بشراهة جائع قد هدّه التعب تسع ساعات متواصلة في العمل..

شعرتْ برغبة في البكاء، حاولتْ أن تتماسك..

– لقد أرسلت لك اليوم رسالة وبالأمس وقبل الأمس.. إنها أبيات شعرٍ كتبتها بنفسي لم أنقلها من أي ديوان؟ لم أسرقها من أي شاعر!

ابتسم ربيع وهو يكمل لقمته، وينهي رشفات العصير الأخيرة بصوت يوحي بالنهاية، وكأنها إشارة لتغريد أن تكفّ عن العتب..

– محظوظ من تزوج شاعرة! شكراً لك.. (أجابها وهو يغمس آخر قطعة خبز في مرق اللحم).

فإذ بها تسمع صوت كسرةٍ في قلبها، تغيّرتْ ملامحها، ورأتْ أن تسأله عن عمله لترى ما الشيء المهم الذي أخذه عنها..

– وكيف كان عملك اليوم؟

– آه اليوم.. لقد مكثنا على برمجة جهاز الرادار طويلاً، واكتشفنا فيه خللاً مما اضطرنا إلى إعادة فكّ أجزائه، وهذا لأنه يعمل بتقنية.... (واسترسل يحكي عن تفاصيل الجهاز).

أبدتْ تغريد اهتماماً بكلامه، لأنها شعرتْ أنه يسعد بسؤالها عن مجالاته واهتماماته، في حين أنها تعيش الآن داخل قلبها الذي يلملم كبرياءه، وزوجها يشرح شيئاً عن لغة الخوارزميات التي هربت منها في الثانوية فلم تدخل القسم العلمي حتى تبتعد عن قرصاتها.. لم تستطع التغافل عن عاطفتها التي انتفضتْ..

الأيام كشفتْ لتغريد حقّاً أن التعبير بالمشاعر قولاً عند زوجها لا يأخذ أكثر من حيز أرقام الصفحات في حياته، غير أنه كان لطيف الأفعال.. رقيق التفكير.. مهتمّاً بإكرامها..

سارتْ الحياة جميلة هادئة.. بيد أنّ الزوجة بدأتْ تلحظ أن قنوات جريان العاطفة في عروق الحياة الزوجية تنسد أحياناً، وأن نسبة الملوحة في العلاقة بين الرجل والأنثى عالية، أو هكذا حكمتْ من تجربتها، فوجدتْ أنّ الترسبات الملحية لا تبدو لطيفة المظهر ولا الأثر إن تُركتْ! وأنّ الرجل يكون بعيداً جدّاً عن المشاركة في إزالة الأملاح المتراكمة، فتجد الأنثى نفسها بعد أشهر من الزواج قد أصبحتْ إحدى فقاعات الصابون، ومحاليل الإذابة من كثرة الانغماس في أوعيتها، قد اشتاقتْ لنعومة يديها دون دهاناتْ..! ظاهراً وباطناً..

وعرفتْ أن لا غنى عن نقاء كلمات شفّافة من صديقة.... ومكثٍ بين أحضان الوالدين وارتشاف الحكمة من حياتهما.. وغرفة تضمّ فُرُشاً متناثرة، وهواتف مضيئة، وحكايا الأخوات في نصف الليل.. واستثمار لفائض الوقت في مسحة على رأس يتيم وجهد في مركز ناشئ أسّس بنيانه على تقوى من الله..

وهكذا باتت الحياة بعد أشهر أكثر اتزاناً ووعياً..

وبقي ذهن تغريد مشوّشاً حين حدث أول موقف تغّيرتْ معه الابتسامة بين الزوجين، وهبّت نسائم محملة بالغبار على عشّهما..

لقد دخل ربيع في صندوق مظلم لأيام.. بسبب موقفٍ تافه في نظرها.. خرج منه بصعوبة.. وعرفت من خلاله أن خصومة زوجها قريبة، ومسامحته عسيرة..

كان يطالب تغريد باستمرار أن تراعي ظروف عمله.. وفي المقابل لم يكن يراعي حساسيتها، ورهافتها، وطموحها أن يكون زوجها لو بنصف ما تمنّت شاعرية ورهافة..

كان يردد على مسامعها مرارا..

– تغريد حبيبتي.. أنا مهندس وأنتِ شاعرة، لا أحسن أن أملك القلم الذي تملكين، فلا تطالبيني وتحمليني فوق طاقتي..

– لكنك تملك أن تأخذ رسالة غزل وتحيلها إلي كأنك كتبتها! سأصدّق ذلك صدّقني..

– أنتِ لا تشكّين بحبـي ومشاعري، وليست رسالة أو كلمة تقدم أو تؤخر!

– صحيح؟.. لِمَ لَم تخبرني بذلك منذ البداية حتى لا أتعب نفسي بنظم أبيات لك خصيصاً وباسمك أيضا! إن كانت رسائلي لا تقدم ولا تؤخر..!؟

– لا.. لا.. أقصد..

– (تتموّج شفتاها مستفَزّة) سوف أكون مهندسة منذ اليوم وسترى، لا رسائل بعد اليوم..

إضافة لذلك فقد عانت تغريد من طبع عند زوجها كان معتاداً عليه قبل الزواج واستمر معه، لم يكن يستطيع أن يمكث ساعة دون أن يستمع إلى نشرات إخبارية أجنبية أو برامج فكاهية مسموعة أو غيرها، فكان يحمّلها في هاتفه باستمرار، ويستمع إليها بطريقته المفضلة، وهو يضع تلك الدوائر الممغنطة على أذنيه، فتحجبه عن العالم الخارجي، لتشعر تغريد بعزلة مستمرة، فهو كذلك في المنزل.. في السيارة.. في أماكن التنزه والمطاعم. وكأنها تعيش وحدها، ولم يتفهم ربيع شكايتها من ذلك، ورأى أنه يود استغلال وقت فراغه بما يشاء، وهذه مساحة لحريته الشخصية التي عليها ألا تتدخل فيها، فاتسعت بينها وبين زوجها فجوة ربما تكون هي من حفرتها، لكنّه لم يحاول أن يصل معها لما يقرّب علاقتهما، فهو لا يستطيع العيش دون أن يسمع شيئاً، ليس ذلك فحسب، بل لا يتمكن من السماع دون أن يصنع الصوت في رأسه وأذنيه محفلاً.

أدركتْ تغريد أن عليها الابتعاد عن ذاتها المرهفة وتسليط الضوء على زوجها، وأن تمضي إلى أهدافها ومزاحمة وقتها واستغلال فراغها قبل غلي الرضاعات، وبكاء مولود طوال الليل، فمضتْ بخطى واثقة إلى دار تحفيظ للقرآن قريبة من منزلها، وانضمّت إلى عائلة مميّزة، فراجعتْ حفظها في أجواء من المتعة والروحانية والصداقة لم تكنْ لتعرفها قبل خطواتها تلك إلى بهاء مكان يظلله القرآن دون أي مكانة أو شهادة أو أي زاد دنيوي..

بعد سنة من هدأة المنزل واستقرار كل التحف في أماكنها المخصصة، وسكون ذرات الهواء دون نبض.. دون ضحكات.. بكاء.. صرخات مفاجئة شعرت تغريد بالاشتياق إلى حراك من نوع خاص، يجعل أماكن الجلوس مفروشة بالألعاب..

تمنّت إنساناً صغيراً يلتصق بها.. يشعرها بمشاعر أنثوية خُلقتْ معها، وتذكرتْ حديث أمها معها يوم قالت لها: لقد كنتِ تطرقين الباب ليلاً وأنت صغيرة جداً، في سنوات ما قبل المدرسة، فأفتح الباب قلقة أن كابوساً عصف بمنام صغيرتي، فإذ بك تبكين، فألح عليك: ما بك؟ فتقولين لي:

أريد أن أكون أمّاً!

اتفقت تغريد مع زوجها أن تتخذ خطوات أسرع من انتظار هذا الخبر السعيد يسكن رحمها، فراجعتْ طبيبة نساء وولادة للاطمئنان إلى أن وجود طفلٍ في حياتها بإذن الله أمرٌ ميسور، فتفاجأتْ بمشاكل في رحمها تحتاج إلى البدء بأدوية وأشهر من العلاج.. كان ربيع حنوناً جدّاً تلك الفترة، قريباً من زوجته التي لم يعهد منها انكساراً فدخل قلبه في مرحلة ذوبان لم يجربها.. وظلّ يمكث معها الساعات الطوال يخفف عنها.. بكتْ كثيراً.. وخافتْ أن تكون الأمنية التي أبكتها طفلة لأمها منية معها كثير من المشقة والسنوات المرّة من الانتظار!

اتفق الزوجان أن يكتما ما يجري معهما عن الأهل حتى لا يكون هناك تساؤلات وتدخلات، فيتمدد الخبر ويطول الحديث فيه من الأقارب والأباعد.

رائحة المطر

عندما تكون الصفحة بيضاء.. والسطور فيها مرتّبة متوازية.. والصفحات متوالية في القرطاس دون فواصل ملوّنة.. ستشعر بالملل رغم أن هذا الشكل مثالي وأنيق لتكتب وتبدع فيه..

تحتاج إلى شيء مختلف! إلى زوبعة تغيّر من السير على نسق واحد..

تشتاق زينة تغيّر وجه الصفحات.. تصبغها ببعض المساحيق الناعمة.. ألوانٌ من الكحل تعنون بها الخطوط الرئيسة في حياتك..

تقبل ضجة ربما تجعلك تقلّب الصفحات دون وعي.. أصابع صغيرة تتسلّط على قلمك وتشكّل خطوطاً ليس لها معنى غير أنها كل إبداع صاحب الثنايا السفلى.. ما ألذّها!

إنه نداء الروح.. وهتافات المشاعر.. فأصغِ لها.. تتبّع خطواتها..

عند بداية السنة الثانية من الزواج بدأتْ تغريد بإجراءات العلاج التي حملتْ لها كثيراً من الألم والدموع والجراحات، وبعض تلك الإجراءات كانت بوخزات الإبَر والمقصات الطبية والعمليّات الجراحية..

وعلمتْ أن مبايضها متعبة، وأمضتْ أشهر اشتياق عارم، وصارتْ رؤية الأطفال تعني سرحانها في أحلام اليقظة.. تُرى أتتحقق؟

حاولتْ تغريد أن لا يشغلها الانتظار عن العمل للأهداف، لقد كانت واعية بما يكفي بأن وجود طفل يعني زينة وجمالاً يمطر الحياة؛ لكنه يعني ارتباطاً بمسؤوليات الأمومة ومتاعب السهر، ثم التربية وبناء العقل الغض الذي يكبر بالبذور التي تُغرس فيه مما يعني استنفاراً لمشاعرها، طاقاتها، وقتها، ربما التحكّم أيضاً في مسار أهدافها..

قدّمت أوراقها إلى الدراسات العليا فقُبلتْ في إحدى الجامعات لتبدأ رحلة الماجستير حيث أمومة الجد وصداقة الأوراق وخربشات الأقلام..

كانتْ تلك الأيام مناسبة تماماً لتفتح الباب المغلق على جانب بديع من شخصية تغريد الباحثة الجادة، ومناسبة لتعبئة منزلها ووقتها بما يثير بعض الفوضى التي تخمد نار شوقها للأطفال، أصبحتْ الأيام مزدحمة جدّاً.. وكان لتفرّغ تغريد أثره في إنجازها المتميز، ونتائج تحصيلها في تلك المرحلة إضافة لقطع مسافات في البحث..