صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3957

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

معركة سيخسرها ترامب

  • 12-08-2018

كثير من السلبيات التي تتناولها وسائل الإعلام عن القادة من صنع أيديهم، والحل يكمن ببساطة في تفادي الأخطاء لا في لوم الإعلام أو إسكاته.

لا يكاد يوم يمر إلا وتشتعل معركة جديدة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووسائل الإعلام في بلاده، إلى درجة باتت تهدد مسيرته في الرئاسة من جانب، والحالة الإعلامية الأميركية من جانب آخر.

قبل أسبوعين، شن ترامب هجوماً جديداً على الصحافة، واصفاً ما تكتبه عن بعض تصرفاته بأنه "مثير للاشمئزاز"؛ وهو الأمر الذي استدعى رداً من جماعات ومنظمات داعمة لحرية الصحافة، حتى أن ديفيد كاي مقرر الأمم المتحدة المعني بحماية الحق في التعبير عن حرية الرأي، أكد أن هجمات ترامب على الصحافة "تنتهك المعايير الأساسية لحرية الإعلام، وتثير خطر حدوث أعمال عنف حقيقية ضد الصحافيين".

يتفق كثير من الساسة والباحثين الأميركيين على أن توجهات ترامب التي تتسم بالحدة والانفلات في كثير من الأحيان تكرس حالة من الاستقطاب، وتفاقم العدوانية في الخطاب السياسي والإعلامي.

في نهاية العام الماضي، شن ترامب هجوماً حاداً على بعض القنوات الفضائية الأميركية، التي لم يتوقف عن وصفها بأنها "تنشر الأخبار الكاذبة"، لكنه راح أيضاً يشير إلى اسم إعلامي بعينه، ويتهمه ببساطة بأنه "أغبى رجل على التلفزيون".

يهاجم ترامب الإعلام الأميركي بكل شراسة، ويرى فيه عدم الحياد والموضوعية، وعدم المسؤولية تجاه الوطن، ويرى البيت الأبيض أن "تغطية الإعلام للرئيس ترامب تفتقر إلى الاحترام والإقرار برفعة منصب الرئيس".

لكن هناك في الإعلام الأميركي، وخصوصا في الصحف الرئيسة، من يقول، إن ترامب هو الذي تسبب بهذه الحالة، بسبب أخطائه الفاضحة وتصرفاته الشاذة.

يعدد روبرت رايش، وهو وزير عمل أميركي سابق، وأستاذ للسياسات العامة في جامعة كاليفورنيا، في بيركلي، بعض مواقف ترامب العدائية وتصريحاته المنفلتة، فيقول إنه في بداية مسيرته الرئاسية، وبعد إعلامه أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس يريد سن تشريعات تقتضي الإدانة قبل أن تتمكن الولاية من مصادرة ممتلكات المشتبه فيهم بجرائم، سأل ترامب عن اسم هذا العضو، وقال "سوف ندمر حياته المهنية"، ويتساءل رايش: "هل هذا منطق يتعامل به الرئيس مع أعضاء مجلس الشيوخ؟".

ويضيف: "رداً على الانتقادات، التي وجهها عضو مجلس الشيوخ جون ماكين ضد سياسات الرئيس تجاه إحدى الدول التي وصفها بأنها غير ناجحة، قال ترامب: إن ماكين يعزز قوة العدو ليس إلا! وكان يخسر لفترة طويلة إلى درجة أنه لم يعد يعلم كيف يفوز الآن".

يشير رايش إلى واقعة أخرى حين طلب ترامب من الحضور في إحدى الفعاليات الوطنية "الصلاة على روح حاكم ولاية كاليفورنيا السابق أرنولد شوارزنيجر". (الذي حل مكانه كمضيف في برنامج "المتدرب" على محطة "إن بي سي")، لأن "تقييمات البرنامج لم تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه مع ترامب كونه نجم البرنامج".

ليس هذا فقط، لكن ترامب أيضاً ذهب في عدائه لوسائل الإعلام الرئيسة في بلاده إلى اتهامها بالإضرار بالمصلحة الوطنية، حين تحدث إلى بعض المسؤولين العسكريين قائلاً: "الصحافة غير النزيهة للغاية في أميركا لا تريد أن تنقل في تقاريرها الأعمال الإرهابية".

تتصاعد الشكوك والمخاوف إزاء قدرة الرئيس ترامب على الوفاء بمتطلبات منصبه، إثر ما يظهر من مواقف وتصريحات "حادة ومنفلتة"، يبثها عبر المجال الإعلامي.

فإضافة إلى الجدل الذي سببه قراره بحظر دخول المسلمين من بعض الدول، أوقف ترامب مؤقتاً قاضياً فدرالياً حظر قرار منع الدخول إلى الولايات المتحدة من 7 دول ذات أغلبية مسلمة، معفياً المسيحيين، ولم يكتف بهذا، بل إنه هاجم القاضي قائلاً: "إذا حدث شيء ما، فألقوا باللوم عليه وعلى نظام المحاكم".

يعتبر ساسة وباحثون متخصصون أن هذه الطريقة يمكن أن تجلب الكثير من المتاعب، ويذهب بعض النقاد إلى أنها مقاربة ذات طبيعة "فاشية"، تُذكر بما جرى عند إقرار "باتريوت أكت"، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، حين راح أعضاء في إدارة الرئيس بوش (الابن) يهددون الساسة الذين دعوا إلى التريث في فرض قوانين استثنائية قد تتعارض مع دستور البلاد.

وثمة ما اعتبره النقاد أيضاً تدخلاً سافراً في عمل القضاء ضمن مواقف ترامب المثيرة للجدل، فعندما أكدت محكمة الاستئناف الأميركية رفضها دعوى تطبيق حظر السفر، وصف الرئيس قرارها بأنه "مخزٍ".

وعلى صعيد إرباك العلاقات الثنائية مع دول أخرى، حذر ترامب الرئيس المكسيكي بينا نييتو بأنه "على استعداد لإرسال جنود أميركيين إلى المكسيك لوقف الرجال المكسيكيين السيئين هناك، إذا تعذر على الجيش المكسيكي السيطرة عليهم".

لقد أدت تصريحات ترامب ومواقفه التي تحفل بها وسائل الإعلام الأميركية والعالمية إلى جلب المزيد من الانتقادات والمساءلات السياسية التي تضاعف حالة الارتباك وعدم الاستقرار.

ومن ذلك ما قاله السيناتور الجمهوري الأميركي البارز، جيف فليك، النائب عن ولاية أريزونا، على صعيد مقارنته بين هجمات الرئيس دونالد ترامب على وسائل الإعلام وبين خطاب الزعيم السوفياتي الراحل، جوزيف ستالين، الذي يعتبره قطاع عريض من الساسة والجمهور الأميركي المثل الأوضح على "الدكتاتورية".

ووفقاً لمقتطف من خطاب فليك، فإن انتقاده للرئيس ينطلق من وصف هذا الأخير لوسائل الإعلام بـ"عدو الشعب"، وهو الأمر الذي اعتبره هجوما "لم يسبق له مثيل ولا مبرر له".

يخاطب فليك الرئيس قائلاً: "سيدي الرئيس. استخدامك لكلمات قالها جوزيف ستالين بصوت عال لوصف أعدائه يدل على الحالة التي وصلت إليها ديمقراطيتنا اليوم... ليس هناك أسوأ من استخدام عبارة عدو الشعب".

يكره ترامب الإعلام الذي يُظهر عثراته، وبعدما تورط في الأخطاء الفاضحة خلال لقائه الرئيس بوتين في هلسنكي، لم يمتلك القدرة على الاعتراف بالخطأ والاعتذار، ووجد أن الأسهل من ذلك أن يواصل العناد وتلطيخ سمعة الصحافة واتهامها بالعمالة.

يخوض ترامب تلك المعركة الشرسة ضد وسائل الإعلام في بلاده، وهي معركة لن ينتصر فيها أبداً.

كثير من السلبيات التي تتناولها وسائل الإعلام عن القادة من صنع أيديهم، والحل يكمن ببساطة في تفادي الأخطاء لا في لوم الإعلام أو إسكاته.

* كاتب مصري