صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كرة قدم

  • 28-06-2018

مهما مر الزمن أو تطورت التجارب أو اختلفت فإن الأفكار تظل ثابتة ما لم يطرأ عليها ما يثبت عدم صحتها أو ينفيها، وهو الأمر نفسه الذي يحدث معي شخصيا حين أراجع ما كتبته منذ سنوات بين الحين والآخر، فأحيانا أجد أفكارا كنت قد عبرت عنها في مقالات سابقة وأجدني اليوم لا أعتنقها فأكتب عنها مجددا لأبين كيف تغير رأيي والأسباب التي دعتني إلى التغيير، وفي أحيان أخرى أعيد صياغة ما كتبت في الماضي لقناعتي المستمرة بصلاحية الفكرة التي كتبتها، وهو ما يحدث في المقال الذي أكتبه اليوم بالتزامن مع زخم بطولة كأس العالم.

وسأبدأ بهذه التساؤلات: ما الذي يميز كرة القدم؟ ما الذي يجعل الملايين مهما اختلفت تخصصاتهم وأفكارهم يجتمعون حول كرة القدم منذ سنوات طويلة؟ وكيف للمسلم والبوذي والمسيحي واليهودي والملحد والرجل والمرأة والطفل والكبير أن يجتمعوا حول فريق ما، ويشجعوه بحماس منقطع النظير، ويتفقوا على فريق معين، ويتسمروا أمام شاشات التلفاز ساعتين تقريبا لمتابعة فريق معين، فيفرحوا بفوزه ويحزنوا لخسارته، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على مختلف الرياضات طبعا؟

ما هذا الشغف الذي حوّل كرة القدم إلى صناعة تدر المليارات على أصحابها رغم عدم ارتباط معظم الجماهير باللاعبين والفرق بشكل شخصي؟ بمعنى أنه وفي الكويت مثلا لا علاقة لنا بريال مدريد أو برشلونة أو مانشستر أو ليفربول، إلا أننا كجمهور نتحدث عنهم بطريقة الملكية كأن نقول لاعبنا وفريقنا وغيرها من مصطلحات الملكية، فما الذي يميز 22 لاعباً وكرة واحدة تسلب ألباب الناس وتجعلهم يتعلقون بها بهذا الشكل؟!

تفكروا بهذه التساؤلات قليلا وستجدون أن الإجابات التي تتوصلون إليها منطقية وكثيرة ومقنعة لأستعرضها عليكم كي تتضح الصورة.

في الرياضة بشكل عام وفي كرة القدم بشكل خاص الهدف واضح، وهو تحقيق الفوز ويكون ذلك من خلال تسجيل الأهداف والنقاط بطريقة قانوينة حسب قواعد اللعبة، وبقدر أكبر من الفريق الخصم، هذا هو الهدف وتلك هي الغاية الأساسية؟

لا يهم إن سجل هذه الأهداف لاعب كبير في السن أم صغير، أو إن كان ذا بشرة داكنة أم فاتحة، أو إن كان ذا لحية طويلة أم أجرد الوجه، أو إن كان ذا شعر طويل أم أصلع، أو إن كان متشبّها بالنساء أم رجلا... كل ما يهم هو أن تسجل أو تساعد فريقك على الفوز.

لا يهم إن كنت قبل المباراة ذاهباً إلى الصلاة أم إلى بيوت الهوى، ولا يهم إن كنت صائما أم غير ذلك، فكل ما يهم هو تسجيل الأهداف وفوز فريقك، هذا ما يهم مجلس الإدارة واللاعبون وجمهور فريقك.

أما بالنسبة إلى الحكم فهو لا يهتم باتخاذ قراراته إن كنت أصيلاً أم "بيسري"، ولا يهتم إن كنت ستذهب إلى حسينية أو مسجد أو كنيسة، أو إن كنت حضرياً أم بدويا، عربيا أو أجنبيا، فكل ما يهمه هو العدل الإنساني في قراراته، وإن وجدت مراقبة الحكام بأنه يحابي طرفاً ضد الآخر فسيعاقب، فالحكم لا يهتم إطلاقا إن أقسمت له بالله أو بأي مقدس تراه، فما يراه يحكم به ولا تعنيه أي أمور أخرى.

ويأتي بعدها اختيار المنتخب، وهو ما يتضح من اسمه أنه صفوة لاعبي الدولة، الذين يتم اختيارهم ليمثلوا البلاد التمثيل الحسن في منافساتهم، وحين الاختيار في الدول المحترمة لا يهم إن كان معارضا للتيار الحاكم أو مؤيدا له، أو إن كان معارضا لتعديل الدستور أو مطالبا بالتغيير، أو إن كان اللاعب تربطه صلة قرابة بالحاكم أو الرئيس أو المدير، كل ما يهم هو الكفاءة والقدرة على الفوز بنقاط اللعبة.

إذاً، فالمهم هو الفوز وما ستفعله قبل المباراة وبعدها لا يهم لأنه شأن يخصك، سواء كان في علاقتك بربك أو بأهلك أو بغيرها من شؤون، لهذا كرة القدم والرياضة بشكل عام ناجحة بكل المقاييس، وأغلبية سكّان العالم تتابعها.

هذا هو منهج كرة القدم وهذا سر نجاح الرياضة وصلاحيتها رغم تعاقب الأزمنه، أعتقد أن الرياضة تصلح أن تكون نموذجا لحياة المجتمعات.