صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3904

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فاتن حمامة... الباب المفتوح (27- 31)

سافرت فاتن حمامة إلى لندن للاطمئنان على ابنها طارق، الذي يدرس هناك في إحدى المدارس الإنكليزية، وترتيب أوضاعه، وإخباره بنيتها العودة للعيش بشكل نهائي ومستقر في القاهرة. غير أن زيارتها للندن استمرت نحو سبعة أشهر، عادت بعدها إلى مصر نهائياً.

ما إن عادت فاتن إلى القاهرة، بعد فترة غيابها، حتى أبدت موافقتها على مشاريع عدة، من بينها فيلم تموله هيئة السينما، ويكتبه يوسف السباعي، وفيلم آخر ينتجه ويخرجه حلمي رفلة، والأهم كانت رغبتها الملحة في استكمال فيلم «دعني لولدي»، وهو ما كان يتمناه رمسيس نجيب، لولا ظروف عبد الحليم غير المناسبة. لكنه عرض عليها بطولة فيلم بعنوان «الخيط الرفيع» عن قصة إحسان عبد القدوس، فوافقت فوراً بشرط أن يخرجه بركات.

وافق رمسيس، ودعاها إلى سهرة في بيت إحسان للاتفاق على تفاصيل الفيلم، والاحتفاء بعودتها إلى القاهرة.

في السهرة وجدت فاتن عدداً كبيراً من أصدقائها، من بينهم فريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وبركات، وفطين عبد الوهاب، وكمال الشيخ، وسميرة أحمد، يرحبون بها، ثم تحدّث إحسان عن استكمال فيلم «دعني لولدي» وأبدت فاتن استعدادها الكبير، وتحمس فريد الأطرش وطلب من إحسان فيلماً يجمعه مجدداً بفاتن، فازدادت حماسة إحسان:

= مش بس كده... ده أنا مستعد أكتب فيلماً يجمعك انت وفاتن وعبد الحليم مع بعض.

* ده يبقى قنبلة الموسم... أنا موافقة وامضي فوراً.

- عندك حق يا مدام فاتن. أنا ماعنديش أي مانع طبعاً ويشرفني أمثل قدامك انت واخويا عبد الحليم.

= أنا كمان موافق جداً. بس بشرط أني اعمل دور ابن الأستاذ فريد... أو على الأقل الأخ الصغير.

وسط أجواء الحفلة المرحة، ضحك الحاضرون، وابتسم فريد الأطرش من دون أي تعليق، لكنه حزن من داخله لتلك المزحة التي لم تأتِ في الزمان أو المكان المناسبين. من ثم، أجهض تعليق عبد الحليم حافظ المشروع الذي تحمس له الجميع فعلاً، وعلى رأسهم إحسان عبد القدوس، ليس هذا فحسب، بل أحدث التعليق قطيعة بين أكبر مطربين في الوطن العربي بأسره، وأصبح خصامهما حديث الوسطين الفني والصحافي، وازداد لاحقاً بسبب الخلاف على مكان كان ينوي كل منهما الغناء فيه، إلى أن نجح التلفزيون اللبناني، في الجمع بينهما في برنامج «سجل مفتوح»، وتصالحا على الهواء إزاء جمهورهما العربي.

بداية مختلفة

قرأت فاتن سيناريو فيلم «الخيط الرفيع» وأعجبت به، ووجدته عملاً جديداً جريئاً، يستحق أن تعود به إلى جمهورها بعد غياب هذه السنوات كافة، بل فرصة لتقود تحولاً في نوعية أدوارها السابقة، لتأخذ نفسها إلى منطقة جديدة تماماً عليها.

تجسد شخصية «منى»، الموظفة البسيطة في أحد البنوك التي تعول أسرتها. وتحت ضغط الحاجة تتخذ لها عشيقاً هو رجل أعمال ثري، ثم فجأة تتعرف إلى المهندس الشاب «عادل» الذي يعمل في شركة العشيق، ويصارحها بحبه، فتقنعه بالاستقالة وتكوين شركة مستقلة وتمنحه جواهرها كرأس مال وتقف إلى جانبه وتشجعه إلى أن يصبح لديه شركة كبيرة، وواحداً من كبار المهندسين، وعندما تطالبه بالزواج، يرفض لأن المجتمع يرفض المرأة التي لها ماض!

كتب القصة والحوار إحسان عبد القدوس، والسيناريو يوسف فرنسيس، ورشح المخرج هنري بركات لمشاركة البطلة كلاً من عماد حمدي، في دور العشيق الثري، ثم فوجئت به يرشح الفنان الشاب محمود ياسين في دور الحبيب «عادل».

ترددت فاتن في البداية بسبب ترشيح الممثل الشاب محمود ياسين لدور البطولة إلى جانبها، لكنها وافقت بعدما اكتشفت أن أموراً كثيرة تغيرت داخل الوسط السينمائي، من بينها المفاهيم وأسلوب العمل، وربما أهمها مفهوم النجومية، فقد قفز إلى صدارة المشهد عدد من الممثلين النساء والرجال للقيام بالبطولة المطلقة، وثمة ممثلات شابات تتصدر أسماؤهن «إعلانات الأفلام» على غرار نبيلة عبيد، وميرفت أمين، ونادية الجندي، جنباً إلى جنب مع نجمات جيلها أمثال شادية، وماجدة الصباحي، ومريم فخر الدين، ومن الجيل التالي لها سعاد حسني، ونادية لطفي، كذلك أصبح عدد من النجوم الشباب مثل نور الشريف، محمود ياسين، حسين فهمي، يؤدون أدوارهم جنباً إلى جنب مع رشدي أباظة، وشكري سرحان، وفريد شوقي، وكمال الشناوي، وأحمد مظهر.

قبل أن تنتهي فاتن من تصوير فيلم «الخيط الرفيع»، عرض عليها المخرج نور الدمرداش أن تقدم مسلسلاً إذاعياً خلال شهر رمضان. فكرت أن تعتذر عنه، لكنها بعد قراءة الحلقات التي كتبها الكاتب صلاح حافظ، بعنوان «الرحلة» أعجبت بها جداً، إذ تصور الإنسان في رحلة عبر قطار، وفي المحطة الأولى يلقي بخوفه، وفي المحطة الثانية، يلقي بقلقه، وفي الثالثة يثق بنفسه، وهكذا إلى أن يصبح في المحطة الأخيرة إنساناً.

سجلت فاتن المسلسل الإذاعي «الرحلة» مع صلاح ذو الفقار، ومعهما محمود ياسين أيضا، ومحمود المليجي، وزوزو ماضي، وزوزو حمدي الحكيم، لتجد النجمة من خلال المسلسل فرصة طيبة، لأن الفيلم سيتأخر عرضه، فيمهد لظهورها إزاء الجمهور مجدداً، خصوصاً أنه أذيع خلال شهر رمضان.

نجح المسلسل، وعرض بعده الفيلم، ليحقق نجاحاً كبيراً، غير أن الجمهور صدم عندما وجد فتاة الأمس الوديعة الرقيقة في دور «سيدة لها ماض»، ليس هذا فحسب، بل تظهر لأول مرة على الشاشة وهي تسب حبيبها بوالده، وفي الوقت الذي بدأ بعض الأقلام ينتقد ذلك، وجدت فاتن مئات من السيدات يناصرنها ويؤيدن ما قالته من سباب «لأن حبيبها استحق ذلك»، ليرشح بعدها الفيلم للعرض في مهرجان «طهران السينمائي الدولي» وتفوز فاتن بالجائزة التقديرية عن دورها فيه، وكانت لجنة التحكيم تضم ثمانية أعضاء من ثماني جنسيات مختلفة، من بينهم المخرج السينمائي المصري صلاح أبو سيف، وكان يرأسها وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الإيراني. وعادت فاتن من طهران مع الجائزة التقديرية لتمضي في القاهرة فترة قصيرة، اتجهت بعدها إلى لندن، لتلتقي ولديها طارق الذي لا يزال يدرس في مدرسته الداخلية، ونادية التي أصبحت السكرتيرة الأولى لعمر الشريف، على أن تعود بهما إلى القاهرة، لتمضية إجازة الصيف معها.

التفكير في المسرح

في لندن التقت فاتن الفنان نبيل الألفي، مستشار هيئة المسرح المصري، الذي ذهب لحضور المؤتمر الرابع عشر للهيئة العالمية للمسرح، وما إن التقاها حتى عرض عليها القيام ببطولة عمل مسرحي في القاهرة، فوافقت بشكل مبدئي، وكاد يطير فرحاً لأنه سينجح في أن يضع فاتن حمامة على خشبة المسرح لأول مرة، خصوصاً إنها لم تعمل في المسرح منذ أن كانت تقوم ببعض الأدوار أثناء دراستها الفنية، وانقطعت عنه تماماً عندما عملت في السينما. بدأت هيئة المسرح تبحث عن نص مناسب لها، لأنها اشترطت قبل موافقتها النهائية العثور على «ورق» جيد.

عادت فاتن إلى القاهرة مع ابنها طارق عن طريق البحر، فيما لحقت بها ابنتها نادية جواً بعد أيام، لأنها تصاب بدوار البحر، ونزل ثلاثتهم في فندق «النيل هيلتون» ثم توجهوا بعده لقضاء بقية الصيف في الإسكندرية. ومع نهاية الصيف، عادت نادية إلى باريس، مقر إقامة الشريف، فيما قررت فاتن أن تذهب بصحبة ابنها طارق إلى لندن، إذ اختيرت لتمثِّل مصر في أسبوع الفيلم المصري، حيث تقرر أن تشارك أم الدنيا بفيلم «صراع في الوادي»، لكن فاتن اعترضت ورشحت بدلا منه فيلم «الحرام» باعتباره أحدث أفلامها قبل مغادرة مصر. وعندما اكتشفوا أن «نيغاتيف» الفيلم تلف، وافقت فاتن على السفر، على أمل بأن تُطبع نسخة جديدة منه!

قبل بداية أسبوع الفيلم المصري أقيمت حفلة استقبال في معهد الفيلم البريطاني، حيث التقت فاتن براين ديزمونت هيرست، أكبر مخرجي السينما البريطانية، الذي بادلها في البداية كلمات تحية سريعة، غير أنه ما إن عرف أنها فاتن حمامة، حتى عاود مصافحتها بحرارة، وأبدى إعجابه الكبير بها، لتفاجأ في نهاية الأسبوع بشيخ المخرجين «هيرست» يترك رسالة لدى الملحق الثقافي في السفارة المصرية في لندن يقول فيها:

= أنا واحد من السينمائيين البريطانيين الذين حضروا عروض الأفلام المصرية التي أقامها معهد الفيلم البريطاني، ولفتت نظري وشدتني تماماً إلى السينما المصرية الممثلة فاتن حمامة، إن موهبتها ترشحها كي تنال جائزة «الأوسكار» عن جدارة واستحقاق».

لم تكن فاتن تنتقل من مكان إلى آخر تقيم فيه أياماً عدة، سواء في الداخل أو الخارج، من دون أن تصطحب معها عدداً من الكتب الأدبية والروايات. وخلال رحلتها الأخيرة إلى لندن، أخذت معها بعض روايات إحسان عبد القدوس، وفيها عثرت على قصة قصيرة بعنوان «امبراطورية م» أعجبتها جداً، غير أنها وجدت أن بطل القصة رجل. وما إن عادت حتى طلبت من إحسان استكمال تفاصيلها لتحويلها إلى عمل طويل، لتقديمه للسينما، مع تحويل البطل إلى بطلة.

فور انتهاء إحسان من كتابتها، عرضتها فاتن على المنتج رمسيس نجيب، الذي رحب جداً بإنتاجها من خلال شركة نجله الجديدة «أفلام مراد رمسيس نجيب» وعهد بها إلى المخرج حسين كمال، بعدما أعدّها للسينما نجيب محفوظ، وكتب لها السيناريو محمد مصطفى سامي، وكوثر هيكل.

أعجبت فاتن بموضوع العمل جداً، ووجدت من خلاله تطوراً كبيراً في صورتها على الشاشة، إذ تقدم لأول مرة دور الأم لمجموعة من الأولاد بين سن الطفولة والمراهقة والشباب، رحل الوالد، ليتركها تواجه الحياة وتربية مجموعة متمردة، يحمل كل فرد فيها مشكلة تربوية خلفه، فتنجرف في مشاكلهم، حتى أنها لا تجد فرصة لتعيش حياتها، وتقبل طواعية أن تضحي بنفسها من أجلهم.

شارك فاتن بطولة الفيلم كل من أحمد مظهر، والفنانة الكبيرة دولت أبيض، ومجموعة من الفنانين الشباب والوجوه الجديدة، من بينهم سيف أبو النجا، الذي اتخذ من اسم شقيقه «خالد» الذي لم يتجاوز ثماني سنوات، اسماً فنياً له، ليصبح «خالد أبو النجا» ومعه هشام سليم، وليلى حمادة، وحياة قنديل، وأحمد نجيب، وأسامة أبو الفتوح.

كان حدس فاتن صادقاً باختيارها الفيلم، إذ اعتبره النقاد الفيلم «العائلي» الأول في تاريخ السينما المصرية، لاكتمال أركانه الفنية، وخطورة القضايا التي يناقشها، فضلاً عن أداء فاتن حمامة المتميز، الذي فازت عنه بجائزة أفضل ممثلة من مهرجان «المركز الكاثوليكي» وجائزة أفضل فيلم من المهرجان نفسه.

بالنسبة إلى المسرح، لم تجد هيئة المسرح النص المناسب الذي يمكن أن يقدم فاتن حمامة للمسرح لأول مرة، خصوصاً أن الفنانة طلبت أن تكون واحدة من المسرحيات ذات الفصل الواحد، من تلك النوعية التي أبهرتها على مسارح لندن، وأرادت أن تقدمها، ليس على خشبة مسرح إزاء جمهور، بل من خلال التلفزيون، مثلما فعل BBC. غير أنها عندما وجدت أن كل ما تعرضه عليها الهيئة غير مناسب، قررت أن تطلب ذلك من إحسان عبد القدوس، ليكتب لها نصاً خصيصاً، أو يرشح لها واحدة من قصصه تصلح لهذا الغرض.

قررت أن تدعو إحسان عبد القدوس وزوجته إلى العشاء في أحد مطاعم القاهرة، لتفاتحه في الأمر:

= مش فاهم. ده مسرح ولا سينما ولا تلفزيون؟

* هي المفروض مسرحيات فصل واحد، كان بيقدمها التلفزيون البريطاني على المسرح وبيصورها التلفزيون للعرض التلفزيوني.

= أيوا أيوا... عارفها.

* فأنا عايزة حاجة زي كده. أصورها للتلفزيون مخصوص.

= لا. تلفزيون لا... أوعي

* ليه بالعكس. دي تجربة لطيفة جداً... وأنا واثقة أنها هاتنجح أوي.

= تبقي حمارة!

قال إحسان عبد القدوس اللفظ بصوت عال، لفت أنظار معظم رواد المطعم، فوجمت فاتن وكأن طيراً حطّ على رأسها، ولم تستطع أن تنطق أو ترد، فيما راحت زوجة إحسان تلطف الجو الذي أوشك أن ينفجر.

غير أن فاتن كانت تحب عبد القدوس، وتثق في خوفه وحرصه عليها، فاكتفت بالصمت طيلة السهرة، إلا أنها لم تتراجع عن فكرتها، وراحت تقلب بنفسها في كل ما تقع عليه يداها من قصص وروايات ومسرحيات لكبار الكتاب والروائيين، طه حسين، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، حتى عثرت لدى توفيق الحكيم على أربع مسرحيات قصيرة تصلح لهذا الغرض، فيها فكر جديد لصورة المرأة الجديدة خلال هذه الحقبة، والتي لم تعد مستكينة راضية بما يلقي لها به الرجل، سواء في المشاعر، أو في كل مناحي الحياة. من ثم، قررت أن تقدم المسرحيات الأربع في صورة أفلام سهرات للتلفزيون.

تلفزيون لأول مرة

تقدّم المنتج رمسيس نجيب بمشروع إلى مراقبة التلفزيون يعرض فيه إنتاج أربع سهرات تمثيلية تصور سينمائياً وتقوم ببطولتها فاتن حمامة، في مقابل تسعة آلاف جنيه للسهرة التي تعرض خلال ساعة كاملة، على أن يخرج كل سهرة مخرج من الذين تثق بهم النجمة. اختارت كلاً من هنري بركات، وسعيد مرزوق، وكمال الشيخ، وحسين كمال. غير أن الأخيرين اعتذرا لأنشغالهما بأعمال سينمائية، فاكتفت بثلاث سهرات، على أن يخرج هنري بركات اثنثتين منهما، ويخرج الثالثة سعيد مرزوق، وفوراً أخذ عادل صادق مراقب أفلام التلفزيون المشروع، وشرع في التنفيذ.

كانت المسرحية الأولى بعنوان «ساحرة» والتي أعدها للتلفزيون، الناقد والصحافي أحمد صالح، تدور حول المرأة العصرية في مجتمع السبعينيات، وجرأتها في مواجهة الرجل دفاعاً عن حقها في الحياة. بدأ بركات تصويرها فوراً، ورُشِّح للبطولة فيها إلى جانب فاتن الفنان صلاح ذو الفقار، والكوميديان عادل إمام وسعيد صالح.

ما إن انتهى بركات من تصوير «ساحرة» حتى كان أحمد صالح أنجز إعداد المسرحية الثانية بعنوان «أريد هذا الرجل»، التي يقول الحكيم من خلالها للنساء «أيتها النساء عليكن بالثورة، الثورة على عالم الرجل»، من خلال سيدة يعجبها رجلاً، من دون سابق معرفة به، فتقرر أن تتقدم لخطبته والزواج منه، وتقنعه فعلاً بذلك. ورُشح للبطولة إلى جانب فاتن كل من أحمد مظهر، وحسن مصطفى، ومديحة حمدي.

جاءت المسرحية الثالثة التي اختارتها فاتن من أعمال الحكيم بعنوان «أغنية الموت» لتتناول قضية الثأر ودور الأم «عساكر» التي تعيش في صعيد مصر، ومدى صلابتها وقوة تأثيرها، حتى لو كان الثمن وحيدها، أعز ما لديها، الذي تضحي به لأنه رفض أن يأخذ بالثأر.

اختارت فاتن المخرج الشاب سعيد مرزوق لإخراج «أغنية الموت» فرشَّح لمشاركتها البطولة كلاً من الفنان حمدي أحمد، وكريمة مختار، وفي دور الابن الفنان الشاب عبد العزيز مخيون، وطلبت أن يكتب الحوار الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، بل وأن يرافقها طوال فترة التصوير من أجل تصحيح اللهجة لها. غير أنه لم يكتف بذلك، بل وضع تصميم الديكور مأخوذاً عن شكل بيت عائلته في «أبنود»، إحدى قرى محافظة «قنا» بجنوب مصر.

رغم أن مناخ فيلم «أغنية الموت» لم يكن يسمح بنشوء أي أجواء أخرى غير الحقد والموت، فإن إشاعة طاولت فاتن حمامة، ربطت بينها وبين المخرج سعيد مرزوق، وراح البعض يهمس بمولد قصة حب جديدة في كواليس الفيلم، بين المخرج الشاب وسيدة الشاشة العربية.

لم ترد فاتن حمامة أن تدخل في معارك جديدة مع الصحافة، فاكتفت بالصمت، وتركت مهمة الرد لمرزوق، الذي كان رده عملياً أخرس الألسنة التي حاولت تشويه صورة فاتن، مكتفياً بالإشارة إلى أن مساعد المخرج في هذا الفيلم زوجته «ريموندا»، وفي الوقت نفسه الصديقة المقربة إلى فاتن حمامة!

حققت الأفلام الثلاثة نجاحاً كبيراً عند عرضها لجمهور التلفزيون، الذي أصبح له وجود كبير لا يمكن لأي فنان أن ينكره. من ثم، فكّرت فاتن في تكرار التجربة بشكل أكبر. ولم تمرّ أسابيع على عرض آخر أعمال «ثلاثيتها»، إلا وفوجئت، كما فوجئ العالم كله، بالجيشين المصري والسوري، في 6 أكتوبر 1973، الذي وافق اليوم العاشر من شهر رمضان خلال العام نفسه، يقومان بهجوم شامل على «إسرائيل» وتعبر القوات المصرية خط بارليف وترفع العلم المصري على الضفة الغربية من قناة السويس.

غمرت فاتن سعادة لم تشعر بها منذ سنوات طويلة، ووجدت نفسها كشابة في العشرين من عمرها، تسابق الجميع في زيارة الجنود الجرحى في المستشفيات، وجمع التبرعات من أجل المجهود الحربي.

ورغم انتهاء الحرب، فإن الأجواء في مصر كانت غير مهيأة بعد لتقديم أعمال فنية خلال هذه المرحلة، ما جعل المخرج هنري بركات ينتقل إلى بيروت لتصوير فيلمه الجديد «حبيبتي» عن قصة جابور فالازي، التي قرر أن ينتجها بالمشاركة مع المنتجين اللبنانيين عباس ناصر وصبحي النوري، وكتب لها السيناريو والحوار عبد الحي أديب، ورشح محمود ياسين لمشاركة فاتن البطولة، ومعهما كل من هاني الروماني، ولينا باتع، وسمير أبو سعيد، وآمال عفش.

ترددت فاتن في قبول الفيلم، خشية وجود تشابه بينه وبين «الخيط الرفيع»، غير أن بركات أقنعها بالاختلاف فوافقت، ليفوز الفيلم في استفتاء أجرته «جمعية الفيلم» لعام 1974 بجائزة الامتياز، وتقاسمت نادية لطفي عن «قاع المدينة» وسعاد حسني عن «أين عقلي» الجائزة الأولى، ولم تحضر فاتن لتسلم الجائزة لسفرها إلى إيران فجأة بدعوة ملحة!

البقية في الحلقة المقبلة

فاتن حمامة تعود إلى مصر برؤية جديدة وحضور سينمائي مختلف

إحسان عبدالقدوس يعرض كتابة فيلم يجمع فاتن مع فريد وعبد الحليم

فاتن تطلب من إحسان قصة للتلفزيون فيوجه لها إهانة بالغة إزاء الناس

على غرار تلفزيون BBC فاتن تقدم أول ثلاثية قصيرة للتلفزيون المصري