صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3957

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«تعارض المصالح»... قراءة قانونية تحليلية نقدية

  • 27-03-2018

صدر قانون تعارض المصالح المقر من مجلس الأمة بتاريخ 6/3/ 2018، استكمالاً للمنظومة القانونية الكويتية لمكافحة الفساد، وذلك تنفيذا لما التزمت به الكويت دوليا، ومن ثم كان القانون رقم 47/2006 بالموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد, وتعتبر هذه الاتفاقية غير ذاتية التنفيذ، أي أن إعمال أحكامها يتطلب صدور تشريعات وطنية من الدول الأطراف، ويتضح ذلك من نصوص المواد 5 و6 و7 من الاتفاقية، وفحوى هذه المواد مسائل أساسية:

الأولى: وضع وتنفيذ أو ترسيخ سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد.

الثانية: وجود هيئة أو هيئات، حسب الاقتضاء، تتولى منع الفساد.

الثالثة: اعتماد وترسيخ وتدعيم نظم تعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح.

ومن ثم كان من دولة الكويت، إعمالا لتنفيذ أحكام هذه الاتفاقية إصدار القانون رقم 2/2016، في شأن إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد والأحكام الخاصة بالكشف عن الذمة المالية.

وأرادت الكويت تنفيذ الشق الثاني من هذه الاتفاقية، وهو إصدار قانون تعارض المصالح الذي نحن بصدده الآن.

وبقراءة تحليلية نقدية لمواد قانون تعارض المصالح الصادر من مجلس الأمة، يتضح لنا جملة من المثالب القانونية التي قد لا يصمد القانون في مواجهتها، في حال الطعن بعدم الدستورية، وأيضا الخلل الظاهر في صياغة مواده من الناحية التشريعية. وسوف نورد هذه المثالب في النقاط التالية، بشكل مختصر ومبسط، تاركين التفصيل والحلول إلى مقام آخر.

أولاً: المادة الأولى:

نصت المادة الأولى أنه «في تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالكلمات والمصطلحات الآتية المعنى المبين قرين كل منها». ثم عددت المادة المصطلحات وشرحت دلالة كل مصطلح منها، وقد نهج المشرع ذلك النهج التقليدي في بيان المصطلحات التي سوف تستخدم في صلب القانون, لكن الغريب في الموضوع أنه في هذه المادة أورد مصطلحين، ومن ثم عرّف دلالاتهما ومعانيهما، إلا انه لم يستخدم أيا منهما في أي مادة من مواد القانون إطلاقا، وهما «التعارض المطلق، والتعارض النسبي», لذلك يثور تساؤل عن سبب إيرادهما في المادة الأولى من القانون، إن لم يكن لهما استخدام في نصوص القانون ذاته، وهذا عيب تشريعي ظاهر في كتابة النص القانوني.

ثانياً: المادة الرابعة الفقرة الثانية:

نصت الفقرة الثانية من المادة الرابعة على: «مع عدم الإخلال بأحكام المادة 22 من القانون رقم 2/2016 المشار إليه يكون الخاضع في حالة تعارض مصالح تشكل جريمة فساد في إحدى الحالتين الآتيتين:

- امتلاكه أي حصة أو نسبة من عمل في نشاط له تعاملات مالية مع جهة عمله».

وبالاطلاع يفهم من هذا النص أن جميع الخاضعين لأحكام هذا القانون المنصوص عليهم في المادة الثانية منه يعتبرون في حالة تعارض مصالح تشكل جريمة فساد إذا ما امتلكوا أي حصة أو نسبة في جهة لها تعاملات مالية مع جهة عملهم.

وعليه يندرج جميع موظفي الدولة والهيئات والمؤسسات العامة تحت طائلة التجريم، وفقا لنص المادة الرابعة الفقرة الثانية من هذا القانون، بغض النظر عن قدر الحصة أو النسبة التي يمتلكونها في الجهات ذات الصلة بالتعاملات المالية مع جهات عملهم، وفي ذلك توسع من المشرع غير منطقي لدائرة التجريم، وذلك لسبب أن السواد الأعظم من المواطنين الكويتيين يملكون حصصا في شركات أو مؤسسات، سواء عن طريق الشراء أو المنح من الدولة، وهذه الشركات تتعامل مع جهات الدولة الحكومية في الغالب، وأن أغلبية هؤلاء هم موظفون في هذه الجهات الحكومية، وبالتالي من المتصور من الناحية الواقعية إدراج عدد كبير من هؤلاء الموظفين تحت طائلة التجريم، وفق نص المادة الرابعة، الفقرة الثانية.

فالفقرة الثانية من المادة الرابعة أتت بعبارات واضحة الدلالة على عموم هذا النص، دون قيد وبشكل مطلق.

والقاعدة أن المطلق يؤخذ على إطلاقه ما لم يرد نص يقيده، وتأكيدا لما شاب هذا النص من عوار قانوني فإن اتفاقية مكافحة الفساد، وهي الشريعة الأم لهذا القانون، نصت في المادة (8) (مدونة قواعد سلوك الموظفين العموميين) الفقرة الخامسة منها على: «تسعى كل دولة طرف... إلى وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا عما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات ومنافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين».

وهذا النص في الاتفاقية يبين أن فكرة تعارض المصالح التي تكون في مواجهة الموظف العمومي في حالة تعاملاته المالية مع جهات ذات علاقة بالجهة التابع لها من المتصور أن تكون مقيدة بضوابط وحدود، لذلك أتت الفقرة الثانية من المادة الرابعة على خلاف هذا النص، بتوسعها غير المبرر.

ثالثاً: المادتان الخامسة والسادسة:

نصت المادة الخامسة من قانون تعارض المصالح على التالي: «في حال قيام إحدى حالات تعارض المصالح يتعين على الخاضع الإفصاح عن هذه الحالة، وفقا للضوابط المبينة في هذا القانون، وله في ذلك إزالة هذا التعارض».

وبالاطلاع على المواد اللاحقة والسابقة على المادة الخامسة لم يتبين لنا وجود ضوابط للإفصاح... أي أن القانون لم ينص على ضوابط الإفصاح، كما أشارت المادة الخامسة منه.

وبالنظر إلى المادة السادسة من القانون، التي نصت على: «تحدد اللائحة التنفيذية الجهة المنوط بها تلقي الإفصاح من الخاضع، وتحدد طرق الإفصاح ووسيلته وتوقيته، وكذا إجراءات تقديمه مع مراعاة....».

يتضح من هذا النص أن المشرع أحال بيان ضوابط الإفصاح إلى اللائحة التنفيذية، بالمخالفة لنص المادة الخامسة، التي أوجبت وألزمت أن تكون الضوابط مبينة في صدر هذا القانون.

وتواجه المادة السادسة واللائحة التي قد تصدر عنها إشكالية عدم دستورية، ونبينها باختصار على الوجه التالي:

قررت المادة 32 من الدستور أنه «.... لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون.....».

ولذلك كان الأولى بالمشرع للخروج من مظنة عدم الدستورية إيراد الأفعال التي تشكل الجرائم المعاقب عليها، وفق نص المادة (11) من قانون تعارض المصالح في صلب هذا القانون، دون إحالته إلى اللائحة التنفيذية، وذلك لقيام شبهة عدم دستورية اللائحة وخلو النص من الأفعال المجرمة.

رابعاً: المادة العاشرة: نصت المادة العاشرة من قانون تعارض المصالح على: «تنظم اللائحة التنفيذية ضوابط وقواعد السلوك العام الواجب تطبيقها على الأطراف الخاضعة للقانون، بما يحقق النزاهه والشفافية».

بالاطلاع على هذه المادة فإنه كان من الأولى على المشرع أن يبين في النص القانوني ما هي الضوابط وقواعد السلوك العام الواجب تطبيقها، حتى ولو بطريقة مجملة في عدة نقاط، ثم تحديد معايير وتدابير تأديبية ضد الموظفين العموميين الذين يخالفون هذه المعايير، ويتفق مع هذا المعنى ما ورد في الفقرة السادسة من المادة الثامنة من الاتفاقية.

ويضاف إلى ما سبق، كما هو مبين بالمادة الثانية من القانون أن رجال القضاء وأعضاء مجلس الأمة يخضعون لأحكامه، وبالتالي إذا ما أعملنا نص المادة (10) منه فإننا نكون أمام إشكالية قانونية أخرى تتمثل بإيكال وضع ضوابط السلوك للسلطتين التشريعية والقضائية، من قبل السلطة التنفيذية منفردة، والتي هي تخضع أصلا لرقابة السلطة التشريعية، فليس من المقبول وفقا لفلسفة القانون واتفاقية مكافحة الفساد أن يكون أمر وضع ضوابط السلوك للسلطتين التشريعية والتنفيذية في يد السلطة التنفيذية، وكان الأولى أن يكون ذلك من خلال قانون.

وكان الأولى والأسلم للخروج من مظنة شبهة عدم الدستورية لمخالفة نص المادة 50 من الدستور التي تقرر الفصل بين السلطات مع تعاونها، أن يكون القانون هو مصدر بيان قواعد السلوك، وإن أُوردت على سبيل المثال لا الحصر، والعقوبات المرتبطة بها. كذلك أن تكون مدونة السلوك البرلماني ملحقة بلائحة الداخلية لمجلس الأمة, حيث انه ليس من المقبول ان تضع السلطة التنفيذية قواعد السلوك الواجبة الاتباع لأعضاء مجلس الأمة.

خامساً: استكمالا لتنفيذ الاتفاقية بالطريقة المثلى كان من الأولى على المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار نص المادة (12) من الاتفاقية، والتي تتعلق بموظفي القطاع الخاص.

وأخيراً، فإنه لا يستقيم والصنعة التشريعية المقبولة أن يورد في النص من اللبس والغموض ما نرتكن في تفسيره إلى القاضي، وكذلك وفق نص المادة 72 من الدستور الكويتي لا يجوز أن تكون اللائحة التنفيذية للقانون معدلة أو معطلة لأحكامه، وإلا أسبغت بعدم الدستورية.

ولما كان توجه الدولة الارتقاء بمركز الكويت في مؤشرات مكافحة الفساد العالمية كان الأولى بالمشرع الكويتي أن يضع جل اهتمامه في القوانين ذات العلاقة بمواضيع الفساد وتعارض المصالح.

لذلك نقترح إعادة دراسة القانون بشكل جدي، والتريث في إصداره، بناء على ما سبق عرضه من مسالب وعيوب لا يمكن تداركها من خلال اللوائح التنفيذية.