صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3983

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

د. فيحان العتيبي والحراك الديمقراطي (2-2)

  • 01-03-2018

رؤية الشيخ مبارك الصباح تجاه العثمانيين - كما يرى د. فيحان العتيبي - أثبت التاريخ وتطور أحداث الحرب صحتها بعد هزيمة الدولة العثمانية والألمان في الحرب العالمية الأولى، وتمرد العرب على هذه الدولة في بلاد الشام والحجاز، وما شهدته أيامها الأخيرة من سياسات متسرعة من تتريك وإعدامات وإهمال مريع للتعليم.

دخلت الكويت القرن العشرين مع الشيخ مبارك الصباح «ظل الحكم في الكويت يسير على نمط متعارف عليه، طابعه البساطة»، يقول عبدالعزيز حسين في «المحاضرات»، ويضيف: كان «الصباح يحكمون والأهالي يستشارون في كل كبيرة وصغيرة، ولم تكن هناك تعقيدات أو صعوبات، إذ إن التقاليد العربية المتبعة كانت كفيلة بحل كل المشكلات. حتى كان انقلاب الشيخ مبارك الصباح سنة 1896م، ووثوبه إلى الحكم وفرض سيادته على البلاد».

ويشرح الخصائص النفسية للشيخ، وأسلوبه في إدارة الأمور، فيقول: «كان رجلا قويا معتداً بنفسه واثقا من مقدرته، طموحا إلى السيطرة، تواقا إلى الحكم المطلق المفرد، فاستقل برأيه عن الناس وأقصى الأهلين عن مجلس مشورته، وحصر الحكم في أبنائه وأحفاده، فكان ذلك جديداً على الناس، ولكنهم تقبلوه لمعرفتهم بالشيخ مبارك ولعلمهم بالظروف التي جاء فيها إلى الحكم، تلك الظروف التي تستدعي منه الحيطة والحذر».

(محاضرات عن المجتمع العربي بالكويت، ص104).

غير أن الشيخ مبارك، على رغم كل هذه الشدة والحزم، كان أول حكام الكويت اهتماماً بحرية التعبير، كما يضيف عبدالعزيز حسين، كان ذا طموحات تتجاوز إمكانات الكويت بكثير، يقول: «كان يسمح بكثير من الحريات التي كان الحكام في زمانه يستنكرونها، حريات التعبير والنقد والسلوك الشخصي، وما كان يعبأ بنقد الناس لأسلوبه الخاص في الحياة ورغبته في التمتع بأطايب العيش، إذ إنه إلى جانب ذلك كان الأول عند الروع، وكان قائد الجيش في الغزوات وكان حريصا كل الحرص على أن يكون للكويت والكويتيين سمعة ومهابة خارج الكويت، إنه على ما يبدو من خلال تصرفاته، كان يعد نفسه ويعد الكويت لأمر أعظم وأكبر، حالت المقادير دون الوصول إليه».

ويقول د. فيحان محمد العتيبي: «عندما تولى الشيخ مبارك السلطة في عام 1896م، كانت تعيش في منفاها في الكويت عائلة عبدالرحمن بن فيصل آل سعود، الذي هزمه حاكم حائل محمد بن رشيد قبل أحد عشر عاماً، ونشأت علاقة وطيدة بين الحاكم الجديد الشيخ مبارك وبين عبدالعزيز، الابن الأكبر لعبدالرحمن، وفي ديسمبر 1900م، قاد الشيخ مبارك حملة لمحاربة ابن رشيد، لكنها باءت بالفشل وهزمت القوات الكويتية هزيمة نكراء، كما قتل أحد أبنائه وإخوته».

وقد أكدت نتائج المعركة الخاسرة، بعكس كل التوقعات، ثقة القوى الداخلية والخارجية بحاكم الكويت رغم ما حل بطموحاته العسكرية من دمار. ويضيف د. العتيبي شارحاً نمو الاقتصاد الكويتي بعد كارثة الصريف: «لكن هزيمة مبارك في المعركة لم تلحق الأذى بمكانته وسمعته في الداخل، بل نمت التجارة وانتعشت، كما اتسعت رقعة المدينة وامتدت خلف الأسوار، وأصبح لدى الكويت 461 سفينة في عام 1906م، يعمل على متنها 9200 بحار في تجارة اللؤلؤ، وازدهرت صناعة بناء السفن، حيث تم بناء 120 قاربا لصيد اللؤلؤ بين عامي 1912-1913م».

يتميز عهد الشيخ مبارك الصباح كما هو معروف ببعض القرارات الاستراتيجية والأحداث البارزة، كطريقة وصوله للحكم، وحرب الصريف، وتوتر العلاقة مع التجار، وتوقيع اتفاقية الحماية مع بريطانيا، والتصادم لأول مرة في تاريخ الكويت مع «الإسلام السياسي»، بعد الاعتراض الذي جرى احتجاجاً على قراره الوقوف مع الحلفاء والإنكليز ضد العثمانيين والألمان.

ومن اللافت لنظر القارئ ألا يتوقف د. العتيبي عند هذين الحدثين الأخيرين خاصة، أو يحلل رؤية الشيخ التي أثبت التاريخ وتطور أحداث الحرب صحتها بعد هزيمة الدولة العثمانية والألمان في الحرب العالمية الأولى، وتمرد العرب على هذه الدولة في بلاد الشام والحجاز، وما شهدته أيامها الأخيرة من سياسات متسرعة من تتريك وإعدامات وإهمال مريع للتعليم.

فالحقيقة أن الذين أثاروا الجمهور في الكويت ضد قرار الشيخ مبارك، وقياداتهم الإسلامية المتعاطفة مع سياسيات السلطان عبدالحميد ودولة الخلافة، هم الذين أسسوا في نهاية الأمر التيار الإسلامي في الكويت ومصر، وساهموا في تطوره، ومن أبرزهم الموريتاني الشيخ محمد حبيب الله الجكني الشنقيطي (1878-1944) وحافظ وهبة (1889-1967) الذي كان البريطانيون قد نفوه من مصر، وتنقل بين الكويت والبحرين، واشتغل مدرساً في المدرسة المباركية وشارك في الوعظ والإرشاد في مساجد الكويت، كما تعرف وهو في الكويت على الملك عبدالعزيز آل سعود، وشغل فيما بعد مناصب سياسية ودبلوماسية في المملكة العربية السعودية، وكان على صلة وثيقة بمؤسس حركة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، إلى جانب محب الدين الخطيب والشيخ رشيد رضا صاحب المنار.

ورغم نقده للإنكليز فقد كان الشيخ حافظ وهبة أول إمام يؤم المصلين في مسجد لندن الذي شيد في شرق لندن عام 1910، «وفي عام 1944 كان حافظ وهبة من الأعضاء المؤسسين للمركز الثقافي الإسلامي والمسجد المركزي في لندن الذي يعد من أقدم وأضخم المراكز الثقافية الإسلامية في أوروبا، ووضع حجر أساسه الملك جورج السادس ملك بريطانيا حينذاك، وقد تبرعت الحكومة البريطانية بموقع المركز في وسط لندن من أملاك التاج البريطاني تقديراً لدور المسلمين والجالية الإسلامية هناك».

جاء في موسوعة الويكيبيديا في الترجمة نفسها لحياة الشيخ حافظ وهبة، وقد كُتبت من باحث مؤيد له ومثنٍ عليه، أن حافظ وهبة قال في أحد مؤلفاته عن سياسة العثمانيين التعليمية في إقليم الأحساء بالمملكة العربية السعودية ما يلي:

«لم تكن توجد في البلاد مدارس تذكر في زمن الأتراك، وما وجد منها كان ابتدائيا قليل النفع، ففي إقليم الأحساء لم يؤسس بعد إعلان الدستور العثماني إلا مدرسة صغيرة واحدة، ولم يكن الوضع في الحجاز أحسن بكثير». (انظر موسوعة الويكيبيديا).

وتقول موسوعة الإعلام للزركلي عن «الشنقيطي» بأنه «عالم بالحديث ولد وتعلم بشنقيط -موريتانيا، وانتقل إلى مراكش، فالمدينة المنورة، واستوطن مكة، ثم استقر بالقاهرة، مدرساً في كلية أصول الدين بالأزهر، وتوفي فيها، من كتبه «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم»، ستة مجلدات، و«دليل السالك إلى موطأ مالك» (مجلد6، ص307).

ولم تنل كذلك للأسف من د. فيحان العتيبي، وهو يبحث مصاير «الصراع الديمقراطي في الكويت»، الاتفاقية السرية التي وقعها الشيخ مبارك مع الإنكليز في يناير 1899، نصيبها الوافي من البحث الاستراتيجي، والتأمل التاريخي الذي يتجاوز عادة المخاوف والشعارات السياسية في المراحل اللاحقة وما تشهد من أحداث، وبخاصة أن الباحث الفاضل يكتب بعد مرور أكثر من قرن وربع تقريباً على توقيعها، جرت خلالها حوادث وتطورات متوالية، برهنت أن الاتفاقية كانت في الواقع لمصلحة أمن الكويت، ونعمة عليها لا نقمة، رغم أن الاستفادة منها كانت للكويت وبريطانيا معاً، ورغم كل مشاكل وأثقال ما هو معروف عن السياسة الاستعمارية البريطانية في بعض الدول العربية والآسيوية، إذ لا يمكن في اعتقادي تحليل السياسة الإنكليزية في كل مكان وزمان بالمنظار والمنظور نفسه، أو الوصول إلى النتائج نفسها.

ومهما كانت نظراتنا المحلية الوطنية أو القومية للاتفاقية ومضامينها، أو كذلك لانفراد الشيخ مبارك الصباح بتوقيعها دون استشارة الآخرين، بل حتى حرص الشيخ على حصر بعض الامتيازات بذاته وأحفاده في الأسرة الكريمة، فإن ما لا اختلاف عليه، على ضوء التطورات الإقليمية والدولية اللاحقة، أن الكويت، كياناً ومكاناً، كانت ستجد نفسها بدون مثل هذه الاتفاقية، في وضع دفاعي أضعف، إذ كانت الكويت كشأنها اليوم غير قادرة على ردع القوى الخارجية دون عون دولي، في حين كانت إمكاناتها المادية والجغرافية، ووضعها الاستراتيجي «المكشوف» تجتذب على الدوام قوى التدخل.

لقد حصر هذا المقال نفسه بعصر مبارك الصباح، الذي تناوله الباحث في الفصل الأول من الكتاب القيم.

ولا يزال ثمة الكثير مما بحثه د. فيحان العتيبي في الفترات اللاحقة، مما يستحق الحديث في مقالات قادمة.