صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيف تتعرّف إلى «المجهول» في داخلك؟

  • 15-02-2018

تصعب رؤية الذات بوضوح، لكنّ الأمر يستحقّ العناء لتعيش حياة أفضل. هل سمعت قصة لص المصارف الذي طلى وجهه «بحبرٍ غير مرئي»، معتقداً أنّ لا أحد سيتعرّف إليه؟ في الولايات المتّحدة الأميركيّة عام 1995، سرق مكآرثر ويلر مصرفين من دون ارتداء قناع، حتى إنه ابتسم لكاميرات المراقبة. تتساءل بالتأكيد عمّا كان يجول في خاطره.

استعان ويلر بحيلة عصير الليمون الذي كنّا نستخدمه في طفولتنا لكتابة رسالة سريّة على الورق نتركها تجفّ ثمّ نكشفها من خلال تحمية الورقة بمصدر حرارة. انطلاقاً من هنا، توقّع هذا اللص أنّ تلطيخ وجهه بعصير الليمون سيجعله غير مرئيّ تماماً كتلك الكلمات. وبعدما سرق المصرفين معتمداً على حيلته هذه كانت للرجل المسكين المفاجأة الكبرى حين عرضت عليه الشرطة أشرطة كاميرات المراقبة.

نالت هذه القصّة اهتمام دايفد دونيغ، البروفسور في علم النفس، الذي أشرك أحد طلّابه المتخرّجين، جاستين كروغر، في دراسةٍ أجراها على هذا النوع من الحيّز المعرفي الذي يُدعى «غير الماهر والمدرك له».

بعد وضع البروفسور دايفد دونيغ وتلميذه جاستين كروغر فرضيّة «التفوّق الوهمي»، راحا يختبرانها على طلّاب جامعيّين للتأكّد من تقييمهم الذاتي لمهاراتهم في المنطق والقواعد اللغويّة والفكاهة في مقابل مهاراتهم الحقيقيّة.

تبيّن أن الطلّاب الأكثر كفاءة ظنّوا أنّ تصنيفهم أقلّ بكثير ممّا كان في الحقيقة، في حين أنّ غير الكفوئين اعتبروا أنفسهم رائعين للغاية!

أشار الثنائي دونيغ- كروغر إلى أمر آخر أثبته مزيد من البحوث، وهو أنّ المتفوّقين يتعلّمون من ملاحظات الآخرين، لكنّ «ذوي الأداء الضعيف لا يستفيدون من الملاحظات التي تشير إلى ضرورة التحسّن»، على حدّ قول الباحثين. ويتابع دونيغ: «إذا كنت غير كفوء، لا تستطيع معرفة أنّك كذلك. فالمهارات التي تحتاج إليها لتكوين الجواب الصحيح هي بالضبط تلك التي تحتاج إليها للتعرّف إلى ما هو هذا الجواب الصحيح فعلاً».

أجري معظم هذه الدراسات في الولايات المتّحدة الأميركيّة. إليك عيّنة عن الصفات الرائعة التي يصف البعض نفسه بها: «أعرف أفضل الكلمات. لم يسهم أحدٌ مثلي في مجال المساواة. لا أحد يقرأ الكتب المقدّسة أكثر منّي. أنا أهلٌ للرئاسة أكثر من أيّ شخصٍ آخر باستثناء أبرهام لينكولن العظيم». بالتأكيد لا يتحدّث كثيرون في الولايات المتّحدة الأميركيّة عن أنفسهم بهذه الطريقة، ولكن هل تؤثّر الاختلافات الثقافيّة في الإدراك الذاتي؟ تشير إحدى الدراسات إلى أنّ اليابانيّين يميلون إلى الاستخفاف بأنفسهم ورؤية الفشل فرصةً لتحسين قدراتهم. وفي أميركا، أول أمر يفاجئك في الجولات الأولى لبرامج المواهب الكمّ الهائل من الأشخاص الذين يحلمون بالوصول إلى الشهرة، وفي الحقيقة كلّ ما سيصلون إليه النغمات الخاطئة. ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّهم على الأقلّ حاولوا وأظهروا أنفسهم إلى العالم.

تقول مارثا بيك، امرأة حكيمة ومدرّبة حياة وعالمة اجتماع، مفهوم «الوعي البشري كلّه متساوٍ ولا يُقدّر بثمن»، إنه مجرّد حبرٍ على ورق لأنّ الناس في الواقع يصنّفون كلّ شخصٍ بحسب معايير النجاح الخارجيّة، وخلسةً يقارنون إنجازاته بما استطاعوا هم تحقيقه. مع هذا، يتوصّل معظمهم في أعماقه إلى أنّه أقلّ شأناً بقليل (أو بكثير) من أيّ شخص آخر. يشعل هذا الشعور الكامن بالدونيّة في الأشخاص شهوة النجاح أو يدفعهم إلى الظنّ بأنّهم عديمو الفائدة، أو الاثنين معاً.

ويشدّد العلماء على أنّ هذه الأفكار بالذات تمنعهم من نيل تقدير العالم من حولهم والتماس قيمتهم الحقيقيّة. وتتابع مارثا: «نصاب «بالعمى» تجاه المعلومات التي تثير قلقنا أو مخاوفنا إلى حدّ كبير، أو التي تتعارض مع معتقداتنا بأنّ إدراكها سيحطّم نظرتنا إلى أنفسنا». لكنّها تدعوك إلى «الشعور بما تشعر ومعرفة ما تعرف»، بما أنّ هذا هو السبيل لوضع أسس متينة لعلاقات دائمة ومساعٍ ناجحة وسلام داخلي.

أمّا البروفسور دونينغ فيحرص على إقناعك بأنّ نتائج بحوثه لا تعتبر الناس أغبياء، بل إنّ التحدّيات في اكتساب البصيرة إلى الذات «متعدّدة ومذهلة». إذاً، كيف تستطيع رؤية نفسك بشكلٍ أوضح؟

اكتب قصّة حياتك:

يقول دان ب. مكآدمز، بروفسور في علم النفس ومدير مركز «فوليه» لدراسة الحياة في جامعة نورثويسترن الأميركيّة: «القصص التي نتلوها لأنفسنا عن حياتنا لا تكوّن شخصيّتنا، بل هي شخصيّتنا.» نذكر أنّ البروفسور مكآدمز في طليعة جدل نفسيّ جديد نسبيّاً، يدعى «الهويّة الروائيّة». أمّا بيل جورج، بروفسور في الممارسات الإداريّة في كلّيّة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، فيشير إلى أنّ عليك في الواقع تدوين هذه القصص، بعيوبها كافّة، لأنّ ثمّة دراسة تظهر أنّ هذه الطريقة تحسّن صحّتك الجسديّة كما العقليّة. على ما يبدو، تستطيع كتابة حياتك بشكل صحيح. ويعتقد أنّ مواجهة التحدّيات في حياتك تحسّن وعيك الذاتي. في كتابه المعنونDiscover Your True North (اكتشف اتّجاهك الحقيقي)، يقدّم لك بعض الأفكار ليساعدك في المباشرة. أنظر إلى الصفحات الأولى من قصّة حياتك وفكّر بالأشخاص والحوادث والخبرات التي حملت أكبر أثرٍ في تكوين الشخص الذي أنت عليه اليوم، ثمّ انظر في كيفيّة تأطير الانتكاسات في حياتك.

اطرح على نفسك أسئلةً كبيرةً:

تعطيك مارثا هذه الأسئلة على سبيل المثال: ما الذي أخشى معرفته؟ ما هو آخر أمرٍ أريد القبول به؟ بماذا أشعر من دون أن أدرك؟

اطلب من الآخرين الإدلاء بتعليقاتهم:

تذكّر أنّ الحصول على الحقيقة أمر صعب. في كتاب دونينغ المعنون Self-Insight (البصيرة إلى الذات)، يذكر أنّه إذا طُلب من الناس إطلاعك على أخبار غير سارّة، فيحاولون التفاوض بذكاء لإيجاد طريقة صادقة تجنّبهم الإفصاح عن رأيهم الحقيقي. في المثل التالي، ستميّز ردّ الفعل هذا تجاه خطاب أحد زملاء الكاتب. ويخبر: {انحنى الحضور في مقاعده لإخفاء تنهّداته المستمرّة وضحكاته الخجولة وتعبيره الصريح عن خوفه. وعندما انتهى زميلي من إلقاء خطابه، سأل عدداً من الحاضرين عن رأيه في ما قدّمه. أجابه البعض بأنّه كان لافتاً (صحيح ولكن مضلّل). وقال له آخر إنّ الناس سيتحدّثون عنه سنوات عدّة (رأي صحيح أيضاً لكنّه مضلّل أكثر من السابق)}. يلخّص دونينغ: {ببساطةٍ، يكذب الناس علينا باستمرار في محاولة لعدم الكذب. وتكمن مشكلة أخرى في ميلنا إلى القبول بالتعليقات الإيجابيّة تجاهنا من دون تفكير. في المقابل، حين نتلقّى الملاحظات السلبيّة، نحدّق طويلاً ثمّ نحاول إيجاد طرائق للتخفيف من حدّتها أو إبعادها}.

ويضيف أنّ من الحيل الأخرى التي يستخدمها المرء عادةً الثني على نجاحاته في مجالٍ ما، كالتمكّن من الموضوع أو الجهد الذي بذله في التحضير له، ويلقي اللوم على الفشل في مكانٍ آخر.

بالإضافة إلى هذا، يشير الدكتور سكوت ويليامز من جامعة {رايت ستايت} الأميركيّة إلى أنّ {من يرونك في دورٍ واحدٍ فحسب يصفون سلوكيّاتك على ضوء هذا الدور}.

إذاً ما هي أفضل طريقةٍ لتتلقّى التعليقات التي تحتاج إليها (ولا تريدها دائماً)؟ تنصحك مارثا بيك بطرح هذا السؤال على مختلف الأشخاص طوال أسبوعٍ كامل: {هل من أمرٍ فيّ لا يبدو أنّني ألحظه لكنّه واضح بالنسبة إليك؟}. وتضيف أنّ شخصاً لست على علاقة وطيدة به يعطيك غالباً أدقّ الأجوبة وأكثرها منفعةً. فالأشخاص الذين تعرفهم جيّداً يكونون أحياناً بغاية اللطف أو التهذيب لينبّهوك على أمرٍ ما، أو على العكس، لا يحملون أنقى الدوافع لهذا.

في حال لم يرق لك ردّهم، أشكرهم ثمّ {تخيّل نفسك تحتفظ بتعليقاتهم في صندوقٍ تستطيع فتحه لاحقاً والتمعّن بها مرّة جديدة لعلّك تجد من بينها ما يفيدك. فمنها ما يكون حقيقيّاً ومنها الرخيص الذي لا يعكس سوى خلل صاحبها}، بحسب مارثا. ولكن كيف تستطيع التمييز بينها؟ تجيبك: {يكون التعليق عديم الفائدة غير محدّدٍ ومبهماً ولا يشجّع على اتّخاذ تدابير، بل يفقدك عزيمتك ويحبسك في حالةٍ من الالتباس والعار. أمّا الملاحظات المفيدة فتتّسم بدقّتها واستهدافها نقطة محدّدة. صحيح أنّها تلذع أحياناً، لكنّها ترسم مسار عمل واضحاً؛ عندما تستمع إليها تشعر وكأنّ لمبة صغيرة أضيئت فوق رأسك}.

وهل بهذه الطريقة تُحلّ الأمور كلّها؟ حسب مارثا، {يكفي أن تراقب الحقيقة عن نفسك من دون إطلاق الأحكام أو الدوران حولها، لتبدأ بتغيير ذاتك. يُعتبر شبه مستحيل أن ترى نفسك بوضوح أكثر فأكثر وأنت لا تعر أيّ اهتمام لكرامتك أو تعمل بما يخالف الهدف الحقيقي من حياتك}. بالتأكيد سمعت هذه الكلمات سابقاً: أكبر مخاوفك ليس اكتشاف عدم كفاءتك، بل اكتشاف أنّك قويّ أكثر ممّا تتخيّل. إذاً أكثر ما يخيفنا نورنا وليس ظلمتنا.

في هذا السياق، قالت الطبيبة النفسيّة ليزلي بيكر فيلبس لمجلّة Psychology Today (علم النفس اليوم) الأميركيّة: {من يعيشون معاناةً مع شعورٍ معيبٍ أساساً، يحاولون تجنّب الفشل قدر المستطاع في أيّ عملٍ من خلال التخلّي عن محاولة النجاح وإنجاز الأعمال على أكمل وجه أو التردّد بين الاثنين}. وتتابع د. بيكر فيلبس أنّ عليهم التصدّي لهذه المشكلة من خلال {الاعتراف تدريجاً بهذه الخبرات التي مرّوا بها والعمل على ضوئها، ما يشبه إلى حدّ كبير الغوص ببطءٍ في المياه الباردة والعميقة}. بهذه الطريقة، يتعرّفون إلى هذه الجوانب من شخصهم ويسامحونها ويتقبّلونها، ما يتيح لهم المجال بالقيام بالتغييرات السليمة. تشير بيكر فيلبس إلى أنّ هذه العمليّة لا بدّ أن تقام في معظم الحالات ضمن علاقة آمنة واحدة على الأقلّ، مع معالج نفسيّ مثلاً.

فكّر في حياتك

بضع دقائق يومياً. يرى البروفسور جورج أنّ جلسة تفكير يوميّة تدوم 20 دقيقة ضرورة للجميع، مشيراً إلى البحث الذي يجمع بين الوعي التام والانتقال في الدماغ من حالة الغضب والتوتّر إلى حسّ الهدوء والرفاه. صحيح أنّ البروفسور جورج يمارس التأمّل لكنّه يعتبر أنّ التأثير ذاته يأتي من كتابة اليوميّات أو الصلاة أو المشي أو الركض.

حين نتلقّى ملاحظات سلبيّة نحاول إيجاد طرائق لإبعادها

نميل إلى القبول بالتعليقات الإيجابيّة تجاهنا من دون تفكير