صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3962

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الجليد يذوب في الشتاء على شبه الجزيرة الكورية

  • 07-02-2018

في مناسبة شهيرة قال مؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة بيير دي كوبرتين: "الأمر الأكثر أهمية ليس الفوز، بل المشاركة". والآن وقد وافقت كوريا الشمالية على المشاركة في الألعاب الأولمبية الشتوية المقبلة التي تستضيفها بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية، اكتسبت هذه العبارة معنى جديدا.

على مدار تاريخ الألعاب الأولمبية الحديثة، كان فصل السياسة عن الرياضة أمرا مستحيلا، ولعل هذا الفصل لا يكون مرغوبا، ففي نهاية المطاف يتلخص أحد أهداف الألعاب الأساسية في وضع الرياضة في خدمة السلام والكرامة الإنسانية.

في مجمل الأمر أدت الرياضة لفترة طويلة دورا بنّاءً في عالَم السياسة على الساحة العالمية، ففي بطولة العالم لتنس الطاولة التي استضافتها اليابان في عام 1971، استقل لاعب أميركي حافلة الفريق الصيني متطفلا، مفتتحا بذلك ما أصبح يعرف باسم "دبلوماسية البينغ بونغ"، وبعد فترة وجيزة، في ذروة الثورة الثقافية، دعا ماو تسي تونغ فريق تنس الطاولة الأميركي لزيارة الصين، الأمر الذي مهد الطريق للزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين في عام 1972.

وفي بطولة العالم لتنس الطاولة لعام 1991، والتي استضافتها اليابان مرة أخرى، شكلت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية فريقا مشتركا، وتمكن الفريق من التغلب على الصعاب والفوز بالميدالية الذهبية في مسابقة النساء، لقد ساعدت الصداقة الحميمة التي نشأت بين اللاعبين في هزيمة الفريق الصيني في المباراة النهائية، وللحظة وجيزة نسي الكوريون المبتهجون انقساماتهم.

الواقع أن كوريا الجنوبية ربما تدين بديمقراطيتها الحديثة، ولو جزئيا على الأقل، للألعاب الأولمبية، ففي عام 1987، ومع اقتراب دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في سيول لعام 1988، نجح الكوريون الجنوبيون في دفع نظام رئيسهم تشون دو هوان العسكري إلى عقد انتخابات ديمقراطية، وكان ذلك منعطفا مذهلا للأحداث، لأن تشون دو هوان كان يرى في رسو العطاء الأولمبي على كوريا الجنوبية فرصة لتحسين صورة نظامه الدكتاتوري في الداخل والخارج. ولولا اقتراب موعد انعقاد دورة الألعاب الأولمبية، والضغوط الدولية التي جلبتها، لربما لم يكن التحول الديمقراطي في كوريا الجنوبية ليحدث، على الأقل ليس سلميا أو بالسرعة التي حدث بها. لكن ألعاب سيول الأولمبية لم تخل أيضا من جانب مظلم، فقد قررت كوريا الشمالية، بعد فشلها في التوصل إلى اتفاق مع الجنوب بشأن كيفية المشاركة في الحدث، مقاطعة الألعاب بالكامل، وفي عام 1987، وهو العام نفسه الذي شهد انهيار دكتاتورية تشون، أُسقِطَت طائرة ركاب تابعة لكوريا الجنوبية، وفي الأرجح من النظام الكوري الشمالي، في محاولة لعرقلة الانتخابات التي اقترب موعدها وتثبيط دول أخرى عن المشاركة في الألعاب.

وفي نهاية المطاف تسببت دورة ألعاب 1988 في تعميق الانقسام بين الكوريتين، وما كانت لحظة الانتصار القصيرة في عام 1991 لتكفي لعكس ذلك الاتجاه، وانطلق الجنوب نحو الانفتاح على العالَم، في حين زاد الشمال من صلابة عزلته- وهي العملية التي ازدادت حِدة بعد انحلال الاتحاد السوفياتي- وسَلَك مسار الانتشار النووي.

بطبيعة الحال لم يكن القرار الذي اتخذته كوريا الشمالية بتنظيم المقاطعة في عام 1988 غير مسبوق، فتاريخيا قاطعت دول عديدة الألعاب الأولمبية، أو حتى استخدمتها كمنصة للترويج لقيم تتعارض مع الروح الأولمبية، وكانت هذه هي الحال بكل تأكيد عندما استضاف نظام أدولف هتلر دورة الألعاب الصيفية لعام 1936 في برلين.

في عام 1945، نظر جورج أورويل إلى ألعاب 1936 ولاحظ أن "الرياضة الجادة... حرب بلا رصاص"، وقال إن الألعاب "ترتبط بصعود القومية، أي أنها ترتبط بعادة حديثة مجنونة تتمثل في تمييز المرء لنفسه بوحدات ضخمة من القوة والسلطة ورؤية كل شيء من منظور الهيبة التنافسية".

ولم يكن أورويل بعيدا عن الصواب، ففي دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008 في بكين، على سبيل المثال، كانت العلاقة بين الرياضة والقومية بارزة بوضوح، فكانت الألعاب ناجحة تنظيميا، ومكتملة بأساليب بنائية هندسية جديدة متألقة، وكان فوز الصين في النهاية بعدد من الميداليات الذهبية أكبر من أي دولة أخرى سببا في تعزيز الفخر الوطني بلا أدنى شك، وعملت الاحتجاجات ضد معاملة الصين للتبت أثناء تنقل الشعلة الأولمبية حول العالم على تغذية القومية الصينية. واليوم، لا يزال الفخر الوطني يشكل محور تركيز أساسي للزعيم السياسي الذي أشرف على تنظيم ألعاب بكين: الذي كان آنذاك نائبا للرئيس وأصبح الآن رئيسا للصين، وهو شي جين بينغ.

على نحو مماثل ساعدت الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي في بث روح الحياة في نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المريض آنذاك، وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفل الختامي أطلق بوتين تدخله العسكري في شرق أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم.

والآن تعود الألعاب الأولمبية إلى شبه الجزيرة الكورية المضطربة، حيث لا تزال الكوريتان في حالة حرب رسمية بعد مرور 65 عاما على الموافقة على الهدنة، وقبل القرار الذي اتخذته كوريا الشمالية مؤخرا بالمشاركة في دورة ألعاب بيونغ تشانغ، أعرب كثيرون على نحو مفهوم عن خوفهم من تكرار ما حدث في عام 1988، أو استغلال زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون لهذه المناسبة لتنظيم أحد استعراضاته للقوة العسكرية. وهذا هو ما حدث في بطولة كأس العالم لعام 2002، التي استضافتها كوريا الجنوبية بالمشاركة مع اليابان، فمع اقتراب البطولة من نهايتها، والتي تميزت بأداء غير عادي من قِبَل الفريق الوطني الكوري الجنوبية، بدأت كوريا الشمالية معركة بحرية مع الجنوب.

لحسن الطالع ساعد الموقف الرصين التصالحي الذي اتخذه الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه إن والذي قابله كيم بالمثل في خطاب العام الجديد، في تذويب الجليد بعض الشيء، وينبغي لنا أن نرحب بالجهود التي يبذلها الجنوب لتخفيف حدة التوترات عن طريق تأجيل المناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، بقدر ما رحبنا بقرار الشمال بالمشاركة في الألعاب الأولمبية، وبالفعل منذ ذلك القرار، شهدنا دفقا مستمرا من الأخبار الطيبة: سيسير المشاركون من الدولتين معا في حفل الافتتاح، بل سيشكلان فريقا مشتركا في رياضة الهوكي للنساء.

يتعين على المرء بكل تأكيد أن يتساءل حول دوافع نظام كيم، ففي الماضي لم تؤد الإيماءات الودودة من قِبَل الشمال إلى تنازلات حقيقية أو أي تقدم نحو إحلال السلام، ولأن الكوريتين سارتا معا في ثلاث دورات أولمبية منذ عام 2000، فإن توخي الحذر سلوك مستحسن، ولكن ينبغي لنا أن نقاوم الرغبة في الاستسلام للنزعة القَدَرية، وأن نظل بدلا من ذلك داعمين لمبادرات الانفتاح من قِبَل كوريا الشمالية.

الواقع أن التهديد النووي الكوري الشمالي من غير الممكن أن يُدار دون مفاوضات، ولتحقيق هذه الغاية ربما تمثل دورة ألعاب بيونغ تشانغ، التي تأتي بعد ثلاثين عاما من دورة سيول، الفرصة الأفضل طوال سنوات لبدء العملية، ولنأمل أن تؤتي رحلة الرياضيين من كوريا الشمالية من بيونغ يانغ إلى بيونغ تشانغ ثمارها الدبلوماسية، وأن نتذكر "ألعاب السلام"، كما أسماها مون، بحضور الشمال، وليس بعدد الميداليات النهائي.

* خافيير سولانا

* ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية والأمن، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية إسبانيا سابقا. ويشغل حاليا منصب رئيس مركز إيساد (ESADE) للدراسات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، وزميل متميز لدى مؤسسة بروكنجز.

«بروجيكت سنديكيت، 2018» بالاتفاق مع «الجريدة»