صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3754

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«دموع القاتل»

  • 03-01-2018

شبكات التواصل الاجتماعي صارت منصات كبيرة للترويج لأي فكرة أو منتج أو سلعة، بما في ذلك السلع الإبداعية والمناسبات الثقافية، إذا صح تسليع الإبداع والثقافة.

لقد قرأت مدحاً في أكثر من موقع على الإنترنت وصفحات لكُتاب أو مواقع أدبية عن رواية الفرنسية آن-لور بوندو (Anne-Laure Bondoux)، الصادرة بترجمتها العربية عن دار حمد بن خليفة للنشر، بطبعتها الأولى 2015، والثانية 2017، وبترجمة عبدالرؤوف الجباشي.

إن بحثاً فاحصاً على مواقع الإنترنت عن عوالم الرواية يفضي إلى ما أشار إليه أكثر من موقع، بأن الرواية تحكي عن الخير والشر، وأنها تقدم عوالم البراءة والجريمة بشكل مؤثر.

وواضح أن هذا كلام عام، قد يصلح لوصف الكثير من عوالم الروايات. لكن قراءة بسيطة للرواية تظهر أموراً كثيرة، وعلى رأسها، أن الروائية آن-لور بوندور، المولودة في ضواحي باريس عام 1971، هي أقرب لعالم كتب الأطفال، وأنها تفرغت للكتابة منذ عام 2000، وأن معظم جهدها في ورش الكتابة الإبداعية موجَّه إلى الطفل والطفولة. وهذا ليس ببعيد أبداً عن عالم رواية "دموع القاتل"، بدءاً بالعنوان، مروراً بالحبكة، وانتهاء عند الشكل.

حكاية الرواية تدور حول: قاتل/أنخل، وطفل: باولو، ورجل آخر: لويس، وأخيراً فتاة فقيرة رسامة يملك والدها نزلاً بائساً اسمها: داليا، حيث يقصد القاتل بيتاً بعيداً ومنعزلاً: "هنا، لم يصل أحد قط بمحض الصدفة، فهنا نهاية العالم، أقصى جنوب تشيلي، هذا الذي يمتد شريطاً مثل نسيج الدانتيل داخل مياه المحيط الهادئ الباردة" (ص5).

يُقدم القاتل، وبدم بارد ودون أي مقدمات، على قتل والد ووالدة الطفل، ومن ثم دفنهما في فناء المنزل، وتنشأ علاقة بين القاتل والطفل، لحين مجيء السيد لويس، الذي يحاول استمالة الطفل بتعليمه القراءة والكتابة، وبعد مرور فترة، وبسبب انتهاء مؤنة البيت، يذهب الثلاثة إلى المدينة، كي يسحب السيد لويس نقوداً من البنك، وهناك يلتقي الفتاة داليا، وينجدب إليها، ولكونها رسامة تقوم برسم بورتريه لأنخل بوصفه قاتلاً، ويحاولان هي ولويس الهرب لعيش شهر عسل، لكن أنخل، الذي أحب الطفل، يلحق بهما إلى السفينة، ويأخذ منهما نقوداً يعطيها للطفل، وحين يُلقى القبض عليه، ويحكم عليه بالإعدام، تتأجج عاطفة الطفل تجاه رجل احتضنه، رغم أنه قتل أمه وأباه، وأخيراً يعود الطفل/الفتى إلى بيت أبيه القديم، ويحاول البدء بحياة جديدة.

بداية، يجب التوقف عند استخدام الروائية لضمير الغائب، بصيغة الراوي العليم، ما جعل حضور الراوي هو الحضور الأكبر والأكثر استحواذاً على جميع فصول الرواية، وفي جميع عوالمها، سواء كانت وصفاً أو حواراً أو تخييلاً، وليس بجديد القول إن صيغة الراوي العليم باتت أقرب إلى الكلاسيكية منها لكتابة الرواية الجديدة/الحديثة/المعاصرة. كما أن السرد يبدو وكأنه مؤجَّه لعقلية الطفل أكثر منه لقارئ متقد الذهن، فجميع حوادث الرواية تتم مصادفة وبشكل عفوي وبسيط؛ القاتل يقتل الأب والأم، القاتل يحتضن الطفل، الطفل يستشعر شيئا من العاطفة. الآخر يصل متسلحاً بالورقة والقلم والمعرفة، يستميل الطفل، فيبدأ الطفل بمعرفة الكتابة، يرحل الثلاثة إلى المدينة، ويقصدون نزلاً بائساً ويلتفون بالفتاة الرسامة. حوادث الرواية تسير ببساطة كتابية واضحة، وبخط مستقيم دون أي مفاجآت، ولحين وصولها إلى نهايتها. وهذا لا يعني أبداً "السهل الممتنع / السهل المبدع"، فذاك شأن آخر. لذا، وهنا الكلام عن الترجمة العربية، التي لا أظنها تبتعد كثيراً عن كنه الرواية بلغتها الفرنسية الأم. فإن قراءة انطباعية عن الرواية تستوجب بالضرورة القول إن الرواية كلاسيكية بسيطة، وانها تقدم حكاية يقودها راوٍ عليم، وانها قد تناسب ذهنية الأطفال والناشئة أكثر من كونها رواية عالمية مبدعة بجدة الشكل.

الكتابة الإبداعية المعاصرة تتخذ من الشكل لافتة كبيرة لها، ورواية "دموع القاتل" لا تقدم شكلاً جديداً البتة!