صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3598

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 30-09-2017



مأساة جميلة

جميلة

اسمها جميلة وهي حقاً جميلة، إذ امتزجت فيها الملاحة العربية وجمالها! أينما تكون تلفت الأنظار، ويتجمهر حولها الجميع، كتجمهر الأطفال حول بائع الحلوى يوم العيد، وصدق فيها قول الشاعر:

وتضيء في وجه الظلام منيرة

كجمانة البحري سلّ نظامها

كانت أمها شامية، وقيل: بأن صبية الحي عندما كانوا يلهون سابقاً، يلتقط أحدهم حجراً وينظر إلى شيء ما على الأرض، ثم يقول لمن حوله: إذا رميت الحجر وأصبت به ذلك الشيء، فسوف تكون جميلة من نصيبـي عندما أكبر!

ترى ذات الابن أو الأخ...، تتقرب منها توددا، لتنال قصب السبق، وتقطفها ثمرة يانعة له، أما الكثيرات من بنات جنسها، فتراهن يلتففن حولها ويفترسنها افتراساً، وترمقها من بعيد عيون البعض منهن حسداً، بحثاً عن نقيصة تشفي صدورهن التي امتلأت بالحقد والضغينة. فواحدة تودّ لو أن لها بياض وصفاء بشرتها، وأخرى جمال عينيها، وأخرى لون شعرها...، فالتي جمعت تلك السمات النادرة، لا بد وأن تدفع ثمناً غالياً لذنب لم تقترفه!

قالت أم لابنها ذات يوم: رأيت فتاة رائعة الجمال، ممشوقة القامة، وضاءة البشرة، ناعمة الأطراف، عذبة الصوت، ذات عينين عسليتين واسعتين، شعرها طويل لونه كسبيكة ذهب خالص، فإن جمعته أصبح كذيل فرس وجرى من قمة رأسها كشلال ذهب منهمر، وإن تركته سائباً طلا ما وقع عليه ذهباً، متفوقة في دراستها، للتو فرغت من السنة الجامعية الثانية، قسم اللغة العربية وعلى عتبة العقد الثاني من العمر.

تابعت: هل تريد أن أتقدّم وأطلب يدها لك؟

سال لعابه حتى كاد أن يُغرق المكان وحاول حبس أنفاسه التي تسارعت بشكل مروع، جلس بجوار والدته وديعاً يلهو بشاربه الكثيف، ثم أخذ نفساً عميقاً وهزّ رأسه موافقاً، كطفل وُعِد بحلوى لذيذة! وبعد أيام قلائل فعلت ما وعدته به، إلا أنها عادت بخفي حنين!

هكذا كان حال كل من طرق بابها طالباً القرب، فمنذ أن شبّت وأينعت صارت قبلة الخاطبين ووجهة الراغبين، ومن حين لآخر ورقم جديد يضاف إلى قائمة المتقدّمين، إلا أنه سرعان ما يُشطب، ويسمع نفس رد الرفض المؤدب: البنت تريد أن تكمل تعليمها أولاً، فتنهال الوعود وتقدّم القرابين والمغريات، إلا أن ذلك لم يكن يجدي نفعاً.

بعد حين، لم يبق في القائمة الطويلة إلا اثنان لم يحسم أمرهما بعد. زياد الملقب بـ «الدب»، لبدانته المفرطة وبلاهته المضحكة، وهو ابن أحد الأثرياء وأصحاب...، ولعب الشيطان في صدر والد جميلة - ياسر - عندما تقدم والد زياد - ناصر -، وطلب يد جميلة. كان في نظر ياسر الجشع أن الأمر إذا تم، فسيتمكن من التخلص من بعض ديونه المتراكمة بسبب إسرافه وأسفاره الداعرة، وسوف يتعزز مركزه الوضيع. لذا ظن أنه شم رائحة الخلاص! إذن، هي بالنسبة له كبش فداء، سيفتدي به لكي ينجو بنفسه، وكما يفعل الكثير من الآباء السذج ظلماً ببناتهم وجوراً!

يومها، ارتعدت فرائص جميلة وانقبض صدرها بشدة وسقط ما كان في يدها، عندما أتاها والدها وأخبرها بالأمر، فجفّ حلقها وتحجّر لسانها حتى تلعثمت في الكلام، وكل ما استطاعت التفوّه به وزلّ من لسانها: زياد؟!

فقال والدها: نعم، زياد بن ناصر...

نظرت إلى والدها مندهشة، تدرس علامات التملق التي كست وجهه، ثم قالت تحدّث نفسها: يا إلهي، يبدو أنه يرغب في مصاهرته! أين أنا من زياد؟ وأين زياد مني؟

مكثت صامتة، حائرة، مرتبكة، فبادرها بالسؤال: ماذا قلت؟

نظرت إلى والدها نظرة متوسّلة حتى يعفيها من الإجابة، لكن نظراته الملحّة جعلتها تقول: سوف أفكر في الأمر، تهرّباً من الموقف.

عاد إليها بعد أيام يمنّيها ويبشّرها بالمستقبل الزاهر والمال الوفير والجاه الكبير والسفر، وينثر أمامها قرابين والد زياد، وهي تستمع دون أن تنبس بكلمة.

عباس كان الشخص الثاني الذي لم يشطب من القائمة بعد، وهو صديق حميم لأخيها وسيم، اشتهر لدى الجميع بإيمانه وعفّته ونـزاهته ورجاحة عقله وتفّوقه في الدراسة. ومن الطريف أيضاً أنه كان يدرس نفس التخصص، لكنه يتقدمها بسنتين، وكان أديباً بارزاً يُشار إليه بالبنان، يجيد كتابة القصص القصيرة، بينما كانت جميلة تجيد كتابة الخواطر، فهل لنا أن نتصوّر بيتاً يتفاعل فيه مثل هذا الزخم الأدبـي؟!

لم يتقدم عباس لها رسمياً، لكنه لمّح مراراً وتكراراً لوسيم ثم فاتحه أخيراً بالأمر، وعندما علم وسيم بأمر زياد، أفضى إلى جميلة بأمر عباس، وعلى عكس ما حل بها عندما سمعت باسم زياد، تبسّمت ثم أشاحت بوجهها جانباً بعد أن كساه الخجل حمرة، وسترته بشيء من شعرها، فعلم وسيم بفحوى القلب حتى عندما لم ينطق اللسان، فطار إلى عباس يزفّ إليه الخبر فرحاً، إلا أنه طلب منه أن يتأخر في طلب يد جميلة لبعض الوقت حتى يشطب اسم زياد من القائمة بتاتاً.

كان وسيم يعلم بما يدور في ذهن والده بخصوص زياد، فإن تقدّم عباس في تلك الأثناء وقالت جميلة: لا لزياد، قال أبوه: ألف لا لعباس انتقاماً وسخطاً. وكان وسيم كلمّا خلا بأخته حذّرها من أن تضعف أمام أبيه وتتجاوب معه، فلا تجيبه بلسانها، بل تعده بعينيها! فهو يعرف زياداً حق المعرفة، إذ كان زميله في الدراسة أيضاً، كما كان عباس. لكنّ زياداً لم يواصل دراسته واكتفى بأن يقتات من زاد والده المشبوه، مطلقاً على نفسه «نائب المدير العام»، وهو الذي لم ينجح في الثانوية العامة إلا بعد أن جنّد له والده خمسة مدرسين خصوصيين! هكذا يقال والعهدة على الراوي.

صراع منذ الطفولة

كثيراً ما يجد الإنسان نفسه في مواقف ليست من صنع يده، بل تمليها عليه الظروف المحيطة به، وقد تكون تلك الظروف إيجابية لمشواره في الحياة، وقليلاً ما تكون! وأحياناً أخرى قد تكون سلبية، وكثيراً ما تكون! تقف حجرة عثرة أمامه، يتعثّر بها كلما تقدّم بضع خطوات إلى الأمام، وأحياناً في كل خطوة!

وهذا هو حال عباس، فمن محنه في الحياة: أن زياداً كثيراً ما رافقه في صفوف الدراسة، وبما أن عباساً كان متفوقاً وزياداً كسولاً، كان كثيراً ما يُبتلى بسخط زياد عليه وتهديده له إن لم يساعده في الامتحان أو في حل الواجبات، لكن عباساً كان يحاول بكل ما أوتي من حنكة تجنّب الاحتكاك به، وإذا ما حلّت به المصيبة، يتجاهل ما يهرف به زياد، ولا يعيره آذانا صاغية. لكن عادة لا تكون تلك هي النهاية، بل مقدّمة لمعركة ضارية تجري أحداثها خارج المدرسة.

كان زياد يقف له بالمرصاد خارج المدرسة مع مجموعة من رفاقه (كلاب الصيد) -كما كان يسميهم عباس-، الذين كان زياد ينفق عليهم بسخاء (أو يشتري ذممهم)، فهو الذي يملأ أفواههم وجيوبهم، لذا فهم رهن إشارته! وكثيراً ما كان عباس يستخدم ذكاءه، ويهرب من الطوق الذي يفرضونه عليه، أحياناً يكون أول من يغادر المدرسة بعد قرع جرس الانصراف، وأخرى يتأخر حتى يظنوا أنه غادر المدرسة، وأخرى يرافق الفرّاش الذي يسكن بالقرب منه.

ذات يوم استخدم حيلة التأخير حتى ظن أن الطريق قد أصبح آمناً، خرج متلفتاً فلم ير أحداً، تنفس الصعداء وسار بكل هدوء، وما أن ولج أول منعطف حتى سمع صوت أحد (كلاب الصيد) المترصدة، يصرخ ويقول: زياد هذا هو...، هذا هو...

قال عباس يحدّث نفسه: يا إلهي! لقد وقعت في المصيدة، وسرعان ما احتضن حقيبته وولّى هارباً من طريق آخر، وبما أن زياداً كان سميناً للغاية، كان من العسير عليه اللحاق بعباس، لذا يرسل خلفه اثنين من (كلاب) صيده أو ثلاثة حتى يصطادونه ويقدّمونه له لقمة سائغة يتشفى بها، والعقاب نفسه كل مرة، لطمة على الخد وتعفير الوجه في التراب، وبعثرة كل ما تحتويه حقيبة عباس على الأرض، ثم يقهقه ويزمجر ويغادر مع عصابته منتشين بالنصر الكبير، فإذا ما أطعمهم هزوا رؤوسهم، ولسان حالهم يقول: شكراً سيدي، وسمعاً وطاعة!

كان عباس في كل مرة يجمع محتويات حقيبته وينفض عنها وعن وجهه التراب، ويغادر المكان مختنقاً بعبرته، يمني نفسه بأنه لا بد وأن يأتي ذلك اليوم الذي يؤدب فيه زياداً، ويشفي صدره. إلا أنه لم يفعل الشيء نفسه ذلك اليوم، بل جلس يبكي ويندب حظه، ويشكو أمره إلى ربه، وما يلاقيه من زياد الدب و(كلابه) المقتنصة. مضى عليه بعض الوقت وهو على حاله حتى اقترب منه رجل كان يراقب الوضع عن كثب، أخذ الرجل يمسح التراب عن شعره ووجهه ويطلب منه التوقف عن البكاء. نظر عباس إلى الرجل نظرة تكسر القلوب، وتفتّت الصخر...

قال له الرجل: لماذا تبكي؟

لعلك تعلم بالأمر يا عم، وشاهدت ما جرى.

نعم، شاهدت ما حل بك، ولكن من أنت؟

أنا عباس ابن الشيخ سليمان (هكذا كان يعرف به لأن والده توفي منذ زمن ونشأ يتيم الأب في كنف جده الحاج سليمان الشيخ الجليل الورع التقي النقي، الذي يدرّس أولاد الحي القرآن الكريم وإمام المسجد الكبير، يلجأ إليه الناس ممن حوله في الشدائد، بل يشد البعض من أهل البلاد القريبة الرحال إليه طلباً للعلم أو المشورة في جسام الأمور) فلما عرفه الرجل حولق، ثم قال لعباس:

لماذا يفعلون بك هكذا؟

ذلك بسبب الولد السمين زياد بن ناصر، فهو يطلب مني أحياناً مساعدته في الامتحان، وقد علمت من جدي بأن الغش حرام، فإذا ما امتنعت عن تلبية طلبه أنال منه ما شاهدت يا عم.

ساعده الرجل في جمع لوازمه ووضعها في الحقيبة، ثم أمسك بيده وسار معه يحدثه، قائلا له:

لماذا تخشاهم وتهرب منهم؟

لأنهم أقوى مني.

إنهم ليسوا أقوى منك، بل إنه مجرد شعور، فالقوة بالجسد والقلب يا عباس، وليست بالجسد فقط، وأنا أرى بأن جسدك لا بأس به، ولكن قلبك فيه شيء من الضعف.

كيف يا عم؟

اعلم يا عباس بأن (الكلاب) لا تطارد إلا من يهرب منها، وتهاب من يقف لها ويصمد أمامها! فإذا ما تعقّبوك فيما بعد، لا تهرب، بل اصمد أمامهم وقاوم، واستخدم عقلك في مناورتهم حتى تهزمهم، فسيعلمون حينها بأنك لست جباناً، وسيحسبون لك ألف حساب. وإذا ما فشلت في المرة الأولى لا تيأس، بل حاول مرة أخرى... فأخرى، وسترى أنهم سيكفّون أيديهم عنك فيما بعد! ثم ودّعه وانصرف.

سار عباس ما تبقى من الطريق إلى منـزله وهو يفكر في كلام الرجل الذي أعطاه جرعة كبيرة من الشجاعة، قال يحدث نفسه: حقاً، لماذا لا أفعل كما قال العم؟ وصار في ما بعد يتحين الفرصة كي يطبّق النصيحة، ويلقّن الدب و(كلابه)، درساً لن ينسوه أبداً. وتوالت الأيام، وأتت الفرصة سانحة، إذ حاول زياد ذات يوم الاستهزاء به أمام تلاميذ الصف، فما كان من عباس على عكس العادة، إلا أن ردّ بكل شجاعة على زياد وسخر منه أمام الجميع الذين ضحكوا بتشفّ واستغراب! فأخذ زياد يزأر ويتوعد، بينما لم يكترث عباس لذلك، وفي نهاية اليوم الدراسي، لم يلجأ إلى حيله السابقة في الخروج متأخراً أو بصحبة الفراش، بل خرج مع الجميع وسار بكل اتزان وطمأنينة، أما هم فقد سبقوه إلى أحد مخابئهم، ظناً منهم أنه سيهابهم كالعادة، فكانت المفاجأة كبيرة عندما رأوه يمر أمامهم مرفوع الرأس عالي الهمة، فنظر بعضهم إلى بعض باندهاش شديد.

ثلاث ليالٍ

جلست باتي في حديقة بيتها الأول الذي اقتنته قبل عشر سنوات في مراكش، وراحت تنصت باستغراق صوفي إلى الشرقاوي يروي تفاصيل ما حدث للسلطة مع مومياء دار الباشا. بدءاً من اللحظة التي وصل فيها موكب العامل والشرطة ومفتشية المباني التاريخية، والنيابة العامة، إلى الدورية، أي إلى تلك الدار الصغيرة التي تضم المطابخ والمخازن وغرف الخدم في جانبٍ منها، وتضمُّ في الجانب الآخر الأكثر نبلاً وزخرفاً الحمّام التركي وقبّة الاستراحة، وملحقات متفرقة من بينها غرفة الخليلات التي يصعد إليها من القبة بسُلّم من خشب الأبنوس. في هذا الجزء المخملي من الدويرية كان الباشا قد استعمل فسيفساء توريقيّة زرقاء وصفراء وخضراء استقدمها خصيصاً من اسطنبول ليشيّد داخل قصره الفخم قطعة من السليمانية، وكان يقول ذلك ويكرره حتى وهو لا يعرف شيئاً عن القصر العثماني، إلى أن أصبحت الدويرية تعرف أيضاً عند سكان القصر بالسليمانية، اعتقاداً منهم أن الكلمة تعني أن بعضاً من عفاريت سيدنا سليمان توجد هنا، رهن إشارة الباشا. وعندما كانوا يسمعون في جوف الليل صراخ المؤدبين من جند وخدم الباشا، وهم يجلدون بسياط من الجلد المضفور، كانوا يضعون أصابعهـم في آذانهم وتصطك فرائصهم هلعاً ممّا يفعله العفاريت بالمعذبين في الأقبية تحت الاصطبلات المحاذية للمطابخ.

عندما وصل الوفد - يؤكد الشرقاوي - توجه مباشرة إلى الجدار المبقور في القبة، هذا الذي كان الصناع يباشرون ترميمه بعدما وصلت قطع الفسيفساء التي استوردتها باتي من تركيا، هنا في هذه الحفرة التي أعلنت عن نفسها بمجرد الشروع في إزاحة الأتربة الهشة، يتمدّد تابوت من خشب نبيل، وداخله تتمدد كما أعلن ذلك كبير الصنّاع مومياء متقنة التحنيط، لا تزال بأكفانها الكاملة. وعندما طلب العامل إنزال التابوت من الجدار، وفتحه أمام الملأ لتحرير محضر بالعثور على المومياء، رفض العمال رفضاً قاطعاً أن يفعلوا ذلك، واضطر كبير الصناع إلى الكشف عن جسده حتى يرى أعضاء الوفد آثار الجلد المبرح الذي تعرّض له بعدما فتح الصندوق، زاعماً عبر نشيجه أن الضرب كان يفتح هذه الجروح الغائرة في جسده دون أن يكون هناك شخص يضربه، أو سوط ينال منه. وقد اضطر العامل إلى إحضار أعوان من «الإنعاش الوطني» ليقوموا بهذه المهمة، فنقلوا التابوت من الجدار إلى سيارة «الوقاية المدنية» ثم إلى مقر الولاية تمهيداً لعرضه على علماء الآثار الذين استقدمتهم الدولة من فرنسا ومصر لتحليل المومياء وسبر أغوارها. وفي اليوم الموالي نقلت طائرة مروحية عامل المدينة إلى المستشفى الجامعي في الرباط لتحليل الآثار البليغة لضرب غامض تعرّض له من دون فاعل أثناء النّوم.

تحب باتي حكايات الشرقاوي، وتعتبره حكواتياً حديثاً، يستحق أن تغدق عليه العطايا والجوائز، حتى لو لم تكن له حلقة في جامع الفنا يطوف على روادها بطاقيته المفتوحة للتبرعات بعد كل حكاية مبهرة. وباتي دأبت على تكريم الشرقاوي كل يوم تقريباً، أي كلما زارها لتقديم حكاياته العجيبة، حكايات يستقي مادّتها الخام من فندق «المامونية» حيث يشتغل بواباً منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. هنا، قام الشرقاوي أول ما قام به بالاستحواذ على أساطير الفندق بروّاده الكبار أمثال تشرشل، وهيتشكوك، وأورسون ويلز، ومارلين ديتريش، وديغول لليلة واحدة صنع له فيها سريراً خاصاً يتّسع لطوله، ثم ما لبث أن سيطر سيطرة مطلقة على العوالم السرية للفندق بفضائحها وسهراتها الباهرة، وغرامياتها المتناسلة، ينسج من كل ذلك مواد حكائية يجد لنفسه دائماً دوراً بين تشعباتها حتى لو استدعى الأمر القفز على الأزمنة والخلط بينها، ومزج الأخبار بالأحاجي. ثم نظم شبكة من عمال الفندق ومزوديه وسواقي سيارات الأجرة، يمدّونه كل يوم بأخبار المدينة، أخبار رياضاتها، وزيجاتها العجيبة، ومعاركها الدونكيشوتية، أخبار المطاعم الجديدة والشقق المفروشة، وأخبار المومسات، والمردان، كل ذلك يعجنه ويستخرج منه حكايات عن المدينة كما هي، وعنها كما تكمن في الأسطورة، ولا يتردد في أن يبعث الموتى ويجعلهم يترددون على أسواق المدينة وأحيائها، لا لشيء إلا ليلتقي بهم هو شخصياً، ويدخلهم برضاهم أو رغم أنوفهم في الحكايات التي ينسجها بالوقائع والأحلام والاستيهامات. وباتي تحب ذلك، تدمع له عيناها المتعبتان. وتضحك له بكل جسدها، وتقول في نفسها إن أفضل ما ستنهي به حياتها هو أن تضع مسارها بكل تفاصيله المدهشة بين يدي هذا الساحر، ليدمجها في تراب المدينة حتى تصبح طيناً من فخّارها، أو خضرة غامقة من نخيلها، لأن أحجية لذيذة هي الطريقة المثلى للاندماج في مدينة مستعصية.

والشرقاوي لا يحب شخصاً في الدنيا مثلما يحب باتي، يحبها أكثر من أمه التي ولدته بعد وفاة أبيه بعشرين شهراً لأنه استشعر بنباهة جنين حزين أن العيش من دون أب في غياهب المدينة القديمة شيء لا يطاق، ففضّل «الرقاد» في رحم أمه حتى كاد أن يصبح حجراً، ولكنه لا يحب الأميركية العجوز فقط لأنها كريمة معه، إلى حدّ جعلها تفكّر في تأمين مسكن له في أحياء شركة العمران، بل لأنها تنصت إلى حكاياته بخشوع كبير، وتذرف في نهاياتها دمعتين كبيرتين قبل أن يضيء وجهها بضحكة صاخبة. ثم إنه يفكر أحياناً في ما تفعله الأميركية الطيبة، وهي غير مسلمة، من برّ وإحسان يشمل أطفال الشوارع، والأمهات العازبات، وتمدرس فتيات الضواحي، فيقول في نفسه: هذه هي المسلمة وإلا فلا، ولو كان بيدي لجعلتها على رأس المجلس العلمي لمراكش وأحوازها، هي التي انتبهت بقلبها الطيب إلى منبر الكتبية القديم الذي صنع في قرطبة في القرن الحادي عشر وعبر المتوسط قطعاً منفصلة في بواخر متفرقة، ثم عبر المغرب من شماله إلى جنوبه على ظهر الجمال، واستمر قروناً تصدح من عليائه خطب الجمعة، حتى دبّ الوهن إلى أخشابه المنقوشة، فحشر في ركن قصي من مسجد الكتبية، يجلس جنبه فقيه قانط يقضم من زخرفه قطعاً صغيرة يصفها بخوراً لمرضاه ضذ الشقيقة وآلام الأضراس، حتّى أنقذته باتي من التحول إلى أقراص أسبرين وهمية، ووهبته بمساهمة «المتروبوليتان ميوزيُم» وبإنفاقها السخي حياةً جديدة كتحفة إسلامية مذهلة. هذه هي باتي الرقيقة التي تضع على مائدتها كل يوم صحناً لرفيق عمرها الذي مات منذ ربع قرن، تضع فيه قطعة اللحم التي يحبها، وتسكب له نبيذه المفضل، وتطلب منه باسمة أن يكمل وجبته لأنه لم يأكل شيئاً تقريباً، والشرقاوي يحب كل هذا، يحب باتي، ويحب مراكش التي تهب لأبنائها حكايات مدهشة، وأشخاصاً بهذا الصفاء.