صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

يعطيكم «العافية»

  • 23-02-2017

في ٢٠١٠ بدأنا نسمع بأصوات تدعو لإشراك القطاع الأهلي الخاص مع الحكومة في علاج المواطنين بحجة تخفيف الضغط عن المستشفيات والمراكز الحكومية، ومع الوقت تزايدت هذه الأصوات بظهور فئة من الدكاترة على الصحف والتلفاز تدعو لمناقشة هذا الموضوع، والجدير بالذكر أن هؤلاء ممن كانوا يدعون لهذا التوجه كانوا ممن يعملون في المستشفيات الكبيرة، أو من أصحاب المراكز الطبية الضخمة، وبدأ بعض النواب أيضا باستخدام الموضوع للتلاعب بعواطف الناخبين بالأخص لأنه سيوجه مبدئيا لفئة المتقاعدين، حفظهم الله وأطال في أعمارهم.

استمر الكلام والنقاش والدفع لإقراره، ولكن حدثت أمور أخرى غيرت من مجريات الأحداث مثل حل مجلس الأمة والتغييرات الوزارية شبه السنوية، وبعد أن نسي الناس موضوع التأمين الصحي فوجئنا بتسريبات مفاجئة للكل في نهاية ٢٠١٥ بالعودة لإقراره، وفي طبخة سريعة عديمة المذاق كباقي طبخات حكومتنا الموقرة تم التوقيع عليه بتاريخ ٣١/ ٧/ ٢٠١٦ بقيمة ٨٢ مليون دينار، جاء في وقت عرف فيه أهل الكويت بأن المجلس سيحل والتغيير الوزاري قادم، جاء دون دراسة لتأثيره على القطاع الخاص ودون آلية مستقلة للرقابة على أداء شركة التأمين، جاء بتغطية لم تفِ بحق المتقاعدين وكبار السن لتغطي مثلا الولادة في المستشفيات الخاصة لكبار السن، وتمتنع عن تغطية الكثير من أمراض الشيخوخة، وبالطبع لم يكن هناك أي خلاف أو منافسة لشركة التأمين المتولية هذا الموضوع.

فلقد تم تمكينها مسبقا لصفقة تأمين موظفي البترول المقدر حجمها بعشرات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم، وبإضافة تأمين (عافية) تم إعطاء أكثر من مئة وسبعة عشر ألف متقاعد للجهة نفسها، والآن ستتم إضافة ربات البيوت للجهة نفسها، فنحن هنا نتكلم عن تدفق مستمر ومتزايد لملايين الدنانير الحكومية لحسابات هذه الشركة، وهنا يقبع الخطأ والخطر الكبير بتمكين جهة واحدة لأكثر من مئة وسبعين ألفاً من ملفات العلاج لمواطنين متقاعدين وموظفي البترول (قريبا قد يصل إلى ٢٥٠ ألفا بإضافة ربات البيوت)، وإعطاء جهة واحدة القوه لفرض النفوذ على القطاع الصحي الأهلي بقبول أو رفض العيادات الداخلة للتأمين دون إبداء أسباب.

هذا الاحتكار أدى إلى تحكم في الأسعار ونسب الربح المستقطعة من العيادات لمصلحة الشركة، والتحايل لكسب المزيد برفض الدفع الكامل عند تقديم خدمة أو علاج يمكن التأكد منه بتفتيش فعلي، قد نكون تعودنا على فساد المناقصات والترسية على جهات لكثرة ما نقرأه بشكل يومي في صحفنا لهذه الأخبار، ولكن هنا تأتي مختلطة بدماء المواطنين والمتاجرة بصحتهم.

تقديم (عافية) لشركة واحدة بحجة أنها الأكبر له معنى واحد فقط وهو الاحتكار، وإذا لم يكن هناك شركة أخرى فلمَ لا تبدأ الدولة بعمل شركة حكومية بمساهمة وطنية مع اكتتاب وطني، فالمنافسة تأتي دائما لمصلحة المستهلك والاحتكار لمصلحة الشركة. لماذا لا نحذو حذو دول سبقتنا بتجربة الضمان الصحي كحكومة أبوظبي التي أنشأت شركة حكومية بنسبة ٨٠٪‏ لقطع الطريق على شركات التأمين الربحية، التي في حالتنا تقوم مقام الوسيط بين الحكومة والمستفيد.

بعد دخول عافية حيّز التنفيذ بدأت النداءات من مراجعي عيادتي من كبار السن للانضمام للتمكن من علاجهم باستخدام التأمين، ولكن بعد تقديم الأوراق المستوفاة وانتظار الرد لأكثر من شهر تم الاتصال بالشركة ليأتيني الرد: "احنا اكتفينا ما نبي عيادات"، وهذا بالضبط ما توقعته مسبقاً صار يتحقق، وإعطاء كل القوة لجهة واحدة تتحكم بالسوق وتتحكم بالقطاع الأهلي جهة ليست حكومية بل مستفيدة تفرض حصتها من قيمة العلاج على العيادات دون حسيب أو رقيب، هل برنامج العلاج (عافية) حكومي يكفل كرامة الكويتيين ولكل العيادات أحقية في الدخول أم جاء تفصيلا ليحاكي نوعا جديدا من الفساد وإقحام القطاع الخاص فيه؟

بعد اجتماعي بأحد المسؤولين في شركة التأمين وتساؤلي عن الأسباب التي تمنعهم من إضافة عيادتنا المجهزة، إذ إننا موجودون من ٢٠٠٨، لشبكة عافية، وهنا جاء الرد بأنهم غرقوا في التعاملات الإدارية ولا يستطعون أخذ المزيد، كما أنهم لا يتعاملون مع العيادات الصغيرة، وإن كانت مجهزة بأعلى التجهيزات والخبرات، بغض النظر عمن يعمل بها من الشباب الكويتيين، وتوجهاتهم تنحصر في المراكز الكبرى والمستشفيات ذات الأعداد الكبيرة من العاملين، وبترجمة بسيطة هذا يعني سحب جميع مراجعينا من كبار السن، وقريبا ربات البيوت، من العيادات الصغيرة وتوجيههم للشركات الاستثمارية والمستشفيات أو المراكز الضخمة.

وللعلم من يعمل في العيادات الصغيرة هم أصحابها من الدكاترة المختصين أو الاستشاريين، وليس مثل الكثير من المستثمرين وافدين كانوا أم كويتيين من غير الأطباء الذين أجروا رخصا من السوق السوداء لفتح مستوصفات ومراكز طبية وجلبوا خبرات متواضعة، إذ في الأغلب تكون الربحية هي العامل الأقوى.

التخبط أو النفاق الحكومي يظهر جليا في حقيقة أنه في السنين الماضية تم إقناعنا نحن- الشباب الكويتيين- بالعمل الخاص وبمنظومة تشجيع المشاريع الصغيرة التي أكنّ لها كل الاحترام والتقدير، ولكن ومن جهة أخرى ومع قرارات شركة التأمين، ذات التغطية الحكومية من وزارة الصحة، بإعطاء الأولوية للمستشفيات والمراكز الكبيرة سيتم سحق العيادات الصغيرة التي في الأغلب هي لدكاترة كويتيين تحمل أسماءهم، فهل فكرت الحكومة بهذا؟ وهل فكرت الحكومة بأن قراراتها تلك ستحول مراجعين بالقوة من عيادات كانوا يرتادونها لسنين مضت والزج بهم لمراكز ربحية فقط لأن شركة التأمين أرادت ذلك؟

تحويل العلاج الحكومي للقطاع الخاص بهذا الشكل أسفر عن قيام العشرات من العيادات والمراكز الطبية المسعورة في وقت وجيز وبتجهيز متواضع في الغالب لرفع مستوى الربح دون النظر لكفاءة العلاج، مما سبب وسيسبب تزايد الأخطاء الطبية وزيادة العلاج غير المطلوب، ففي الأسنان مثلا سيكثر حفرها بحجة علاج التسوس لزيادة المدخول، وفي طب العيون ستتزايد مثلا عمليات "الكتاراكت" التي قد لا يكون المريض في معظم الأحيان قد وصل لدرجة احتياجها، ولكن هي مدخول إضافي للعيادة أو المركز.

فالكل يريد نصيبه من الكعكة (عافية) وبالمقابل تتخبط شركة التأمين لمحاولة كبح جماح عمليات النصب الطبي بإصدار قرارات غير قانونية لا تتماشى مع منظمات الصحة العالمية، بأخذ أشعات غير مطلوبة من الناحية الإكلينيكية فقط لإتمام نواح مكتبية، ولتخفيض أعداد المفتشين على العيادات لتقليل التكاليف والمعاشات، بإطلاق يد شركة التأمين بالمطالبة بهذه الأعداد الضخمة من الأشعات على الأقل في قطاع الأسنان هو بحد ذاته جريمة في حق المجتمع الكويتي بتعريضه لأخطار الإشعاع المتزايد دون حاجة طبية.

سؤالي هو: هل تم عرض مطالب شركة التأمين لجهات مثل إدارة الوقاية من الإشعاع، أو عمل لجان للتأكد من تماشي هذه المطالب بحدود الصحة العامة إن كانت الصحة العامة هي الهدف؟!

هذه كانت بعض الأمثلة لتردي المستوى الصحي في القطاع الخاص بسبب التدخل الحكومي غير المدروس.

لنأخذ السيناريو الآخر، وهو ماذا لو ركزت الحكومة على رفع المستوى الصحي في مستشفياتها، وتغيير الهيكلة الإدارية التي عفا عليها الزمن، وصرف المبالغ في أماكنها الصحيحة، مثلا صرف جزء من مبالغ العلاج بالخارج لاستقطاب العمالة الماهرة والخبرات العالمية بالتعاقد المباشر المبني على سجل النجاحات من جميع الجنسيات، وليس أي عمالة طبية فقط قد تجلبها شركات التوظيف التي تكون في معظم الوقت محسوبة على مسؤولين أو أقرباء والدخول في شبهات التنفيع، وعندما يتم رفع المستوى الصحي الحكومي واستقطابه لثقة المواطنين مرة أخرى، لن يجد القطاع الخاص مفرا إلا برفع مستواه هو أيضا ليكون أفضل وأكثر مهنية وحرفية، بل سيستجلب أفضل الخبرات ليرتفع على المستوى الحكومي.

نهاية وفي ظل التخبط الحاصل لا يسعني إلا أن أقدم صافي العزاء لجميع من أراد أن يبدأ عيادة خاصة، كما أني أحذركم بأننا على أبواب مرحلة خطرة سيكون فيها التأمين الصحي الحكومي درجات، فإذا أردت زيادة التغطية فادفع الفرق، وسنسمع بظهور (عافية) الفضي، والذهبي، والبلاتيني مما سيزيد من الطبقية والتفرقة في مجتمعنا لأبسط الحقوق الإنسانية المتعارف عليها حاليا وهو حق العلاج، وبإطلاق يد شركة التأمين كما هو حاصل حاليا (شركة ربحية أولا وأخيرا) ستكون هي الآمر والناهي، والحاكم والحكم، بل المتحكم في صحة الأفراد في الدولة، ولا علاج دون موافقتها. ومهم جدا أن يفهم القارئ أن اعتراضنا ليس على (عافية) إنما على آلية التطبيق والاحتكار وعدم إنصاف القرار إلا بما يخدم المصالح التجارية.

وأخيراً نستنتج مما سلف أن أكثر من تعافى من برنامج (عافية) ليس شعب الكويت أو القطاع الطبي الأهلي بل سعر السهم لشركة التأمين المحتكرة.

الله يكملنا بالصحة والعافية وما نحتاج (عافية) وعظم الله أجركم في فقيدكم صحتكم.

* لست بسياسي أو كاتب أو تاجر، ولست من الموالين للحكومة ولي الكثير من الملاحظات عليها، كما أني ضد المعارضة (المتعارف عليها) في الأسلوب والطرح، أنا فقط طبيب كويتي من أبناء هذا الوطن، لا تحسبوني على أحد، وثّقت بنات أفكاري في كلمات، أقرؤها إن أصبت فساندوني وإن أخطأت فصوّبوني.