صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تكون الصين اليابان التالية؟

  • 01-07-2016

البيئة الأكاديمية توفر مختبرا فكريا قويا، ولكن بعد قيامي برحلتين سريعتين إلى الصين بعد نهاية فصل الربيع انتهيت إلى منظور مختلف، ففي مناقشات ممتدة مع مسؤولين ورجال أعمال وأكاديميين ومستثمرين صينيين، وجدت اهتماما كبيرا بالدروس المستفادة من اليابان وكيف تؤثر في معضلة الصين.

على الرغم من المخاوف المتزايدة العمق بشأن اقتصاد الصين، فإنها لا تتجه نحو "عقود ضائعة" من الركود على غرار ما حدث في اليابان، ولكن هناك سحابة من الغموض المقلق تخيم على هذا الحكم، إذ كان مصير اليابان محتما بسبب تقاعسها عن التخلي عن نموذج النمو المختل، ورغم أن تبني الصين لإعادة التوازن البنيوي يميزها عن اليابان، فإنها تواجه صعوبات جمة في تنفيذ هذه الاستراتيجية، وما لم تُفلِح جهودها على هذا المسار فإن الفصل الختامي قد يكون مشابها لما حدث في اليابان.

تخلُص حلقة دراسية توليت تدريسها في جامعة ييل على مدار السنوات الست الماضية حول "الدروس المستفادة من اليابان" إلى النتيجة نفسها، وتتناول هذه الحلقة الدراسية في الأساس الاقتصاد الكلي الجدلي، واستخلاص الدروس الأساسية من صعود الاقتصاد الياباني وهبوطه، ثم محاولة تحديد مدى أهمية هذه الدروس لاقتصادات كبرى أخرى.

تتوج الحلقة الدراسية بأبحاث يتقدم بها الطلاب بهدف تقييم احتمالات تحول أي من المرشحين إلى اليابان التالية. في عام 2012 كانت الولايات المتحدة الاختيار الأول، لأنها في ذلك الوقت كانت تناضل لاستعادة موضع قدميها في أعقاب الأزمة المالية الكبرى في عام 2008، وليس من المستغرب أن يتحول التركيز بحلول عام 2013 إلى أوروبا المبتلاة بالأزمة، ولكن هذا العام اختار أكثر من نصف طلاب الحلقة الدراسية (13 من 23) فحص احتمال أن تكون الصين اليابان التالية.

الواقع أن البيئة الأكاديمية توفر مختبرا فكريا قويا، ولكن بعد قيامي برحلتين سريعتين إلى الصين بعد نهاية فصل الربيع انتهيت إلى منظور مختلف، ففي مناقشات ممتدة مع مسؤولين ورجال أعمال وأكاديميين ومستثمرين صينيين، وجدت اهتماما كبيرا بالدروس المستفادة من اليابان وكيف قد تؤثر في معضلة الصين.

وكان موضوع الساعة هو الديون، فقد ارتفعت الديون غير المالية في الصين من 150% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 إلى 255% اليوم، مع تركز نحو ثلثي الزيادة في قطاع الشركات، وهي شركات مملوكة للدولة إلى حد كبير، وبوصفها الدولة الأكثر ادخارا في العالم- حيث بلغ متوسط الادخار المحلي الإجمالي 49% من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2007- فليس من المستغرب أن ترتفع مستويات الدين إلى هذا الحد. تميل الاقتصادات العالية الادخار إلى تسجيل معدلات استثمار مرتفعة، ويعمل الافتقار إلى إصلاح سوق رأس المال في الصين- الذي تفاقم بفِعل انفجار فقاعة الأسهم في عام 2015- على تعزيز الدور غير المتناسب الذي أداه الائتمان المصرفي في تمويل طفرة الاستثمار في الصين.

وتصبح المقارنة باليابان مفيدة بشكل خاص في تقييم مخاطر النمو الذي يعتمد على الاستدانة بكثافة، فعند مستوى 390% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا في أواخر عام 2015، كانت نسبة الدين الإجمالية في اليابان أعلى بنحو 140 نقطة مئوية مقارنة بالصين، ولكن لأن معدل الادخار في اليابان مرتفع إلى حد كبير- بلغ 24% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط منذ عام 2007- فإنها في الأساس مدينة لنفسها، وهذا يعني أنها ليست عُرضة لمخاطر هروب رؤوس أموال المستثمرين الأجانب الذي يشعل شرارة الأزمات عادة.

ولأن معدل الادخار في الصين ضعف مثيله في اليابان منذ عام 2007، فإن هذا الاستنتاج يصبح أوثق صِلة باقتصادها الذي يعتمد على الاستدانة بكثافة، والواقع أن حالة الذعر التي كانت الصين بطلتها في أوائل عام 2016- والتي تأججت بفِعل التخوفات إزاء هروب رؤوس الأموال ومخاطر العملة- تغافلت عن هذه النقطة تماما. ومن الواضح أن مخاوف الهبوط الحاد النابعة من أزمة الديون الصينية مبالغ فيها إلى حد كبير.

كما تشكل الشركات الميتة الحية أيضا موضوعا لمناقشات محتدمة في الصين، فباعتبارها قوى رئيسة في العقد الضائع الأول في اليابان في تسعينيات القرن الماضي، أُبقي على الشركات الميتة الحية على قيد الحياة بفضل الإقراض المصرفي المدعوم "المتجدد دائما"- وهو ما تسبب في حجب تراكم كبير للقروض المتعثرة التي أدت في النهاية إلى انهيار النظام المصرفي الياباني. وتسبب التفاعل الخبيث بين الشركات الميتة الحية والبنوك الميتة الحية في انسداد شرايين الاقتصاد الحقيقي إلى حد كبير، وهو ما أدى إلى التباطؤ الحاد في نمو الإنتاجية الذي لم تتمكن اليابان من عكس اتجاهه حتى يومنا هذا.

في تصريحات علنية أخيرة، أشارت القيادات الصينية بوضوح إلى الشركات الميتة الحية المملوكة للدولة، ولكن على النقيض من اليابان، التي ظلت في حالة إنكار لهذه المشكلة طوال عشر سنوات تقريبا، تحركت السلطات الصينية بسرعة نسبيا لكبح جماح التجاوزات في صناعتين أساسيتين- الصلب والفحم- في حين ألمحت إلى المزيد من مثل هذه التدابير في التعامل مع صناعات الأسمنت والزجاج وبناء السفن.

يُذَكِّرُنا تدهور جودة القروض في الصين بتجربة اليابان، وإن نسبة القروض المتعثرة المعلنة رسميا بنحو 1.7% للبنوك المسجلة ليست سوى غيض من فيض. فتحت السطح هناك "القروض ذات الوضع الخاص"- حيث يمر المقترضون بمراحل مبكرة من صعوبات السداد- فضلا عن القروض المعدومة في قطاع الظل المصرفي، وكل منهما قد يرفع نسبة القروض المتعثرة الإجمالية إلى نحو 8%، وفي هذه الحالة سيكون لزاما على السلطات في نهاية المطاف أن تضخ رأس المال إلى النظام المصرفي الصيني.

لا شيء من هذا يُعَد سرا غامضا في بكين، بل على العكس من ذلك، أكَّدَت مقابلة أجريت في أوائل مايو مع "مصدر داخلي موثوق"، ونُشِرَت في صحيفة "الشعب اليومية" الرسمية الرئيسة في الصين، مناقشة متزايدة الانفتاح والاحتدام بين كبار المسؤولين حول كيفية تجنب مصير كمصير اليابان. وكان هذا المسؤول المطلع، الذي ربما يكون مقربا من الرئيس شي جين بينغ، حريصا على تسليط الضوء على العلاقة الخبيثة بين ديون الصين ومشكلة الكيانات الميتة الحية التي ربما تنتهي إلى فصل ختامي أشبه بما حدث في اليابان (الهبوط الحاد ثم الركود المزمن).

ويصب هذا في صميم المقارنة بين الصين واليابان. فضياع نحو 25 عاما نتيجة غير مقبولة ببساطة في الصين. ولكن أن تعرف الصين ما لا تريد لا يكفي لضمان عدم انزلاقها إلى فخ على غرار الفخ الياباني.

وتُعَد الإصلاحات العامل الفارق الحاسم، إذ كان فشل اليابان في تبني الإصلاحات البنيوية سمة مميزة للتسعينيات، كما يشكل هذا الفشل عاملا محددا على القدر نفسه من الأهمية لبرنامج التعافي الحالي المسمى "اقتصاد آبي". على النقيض من هذا، تؤكد استراتيجية الصين الجهود المكثفة المتمثلة بالتغير البنيوي وإعادة التوازن، وفي نهاية المطاف، سيتوقف النجاح أو الفشل على مدى استعداد القيادات الصينية للتصدي للمصالح الخاصة القوية التي تقاوم الإصلاح.

من المثير للاهتمام حقا أن ثلثي الطلاب الثلاثة عشر في حلقتي الدراسية الذين اختاروا الصين باعتبارها اليابان التالية رفضوا المقارنة في نهاية المطاف، وقد زعموا أن الدروس المستفادة من الصين الحديثة- وخاصة الإصلاحات والانفتاح الذي قاده الرئيس دنغ شياو بينغ- أكثر أهمية من دروس اليابان، وقد استحقوا درجات جيدة.

* عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، والرئيس السابق لبنك مورغان ستانلي في آسيا، ومؤلف كتاب "انعدام التوازن: الاعتماد المتبادل المَرَضي بين أميركا والصين".

«بروجيكت سنديكيت، 2016» بالاتفاق مع «الجريدة»