صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3905

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لمَ على أوكرانيا الانفصال عن دونباس؟

  • 29-05-2016

في العالم المثالي يخصص صانعو السياسات لمواطن واحد المقدار عينه من الموارد كما لجميع المواطنين، ولكن في عالمنا الأقل مثالية الذي تندر فيه الموارد، على صانعي السياسات الاختيار واتخاذ الخطوات التي تعود بالخير على العدد الأكبر من المواطنين.

كما يدرك القراء، لطالما أيدتُ انفصال دونباس، لكن مَن ينتقدون وجهة نظري يشددون عادةً على عدد من النقاط الثلاث التالية أو كلّها:

أولاً، ألا يروّج الانفصال لهدف بوتين الاستراتيجي الرامي إلى تدمير أوكرانيا؟

ثانياً، ألا تملك أوكرانيا واجباً أخلاقياً يفرض عليها إعادة ضم هذه المنطقة ومواطنيها؟

ثالثاً، إلامَ يؤدي الانفصال بالتحديد وكيف يمكن تحقيقه؟

تُعتبر كل هذه الأسئلة الثلاثة مهمة وتحتاج إلى أجوبة مدروسة. سأُجيب عن السؤالين الأولين في هذا المقال. أما الثالث، فسأتركه للمقال التالي.

لنجِب عن السؤال الأول. لنفترض (ولا يُعتبر هذا الافتراض منافياً للمنطق) أن هدف بوتين تدمير الدولة الأوكرانية. لنقر بالواقع القائم: تشكّل روسيا وستبقى في المستقبل القريب على الأقل دولة أقوى بكثير من أوكرانيا على الصعيدَين العسكري والاقتصادي. نتيجة لذلك تعجز أوكرانيا عن الانتصار على روسيا في أي حرب شاملة، لكن أوكرانيا تستطيع، بفضل التركيبة المناسبة من القوات المسلحة، والخطط الاستراتيجية، والتكتيكات، ردع اعتداء روسي أو التصدي له بتحويله إلى خطوة مكلفة جداً بالنسبة إلى روسيا، مما يجعل بالتالي الروس يمتنعون عن الإقدام على عمل مماثل مهما كانت الظروف، إلا إذا واجهوا اعتداء نووياً.

إن كنت توافقني الرأي في هذه الخلاصة، تكون الأسئلة المطروحة أمام أوكرانيا: هل تساهم محاول استعادة دونباس في تعزيز قدرة أوكرانيا على ردع اعتداء روسي أم تضعفها؟ وهل يقوّي الانفصال عن هذا الإقليم قدرة أوكرانيا على ردع اعتداء روسي أم يضعفها؟

من الواضح أن الجواب عن السؤال الأول هو "كلا". فلن تحقق محاولة استعادة هذا الإقليم وإنزال الهزيمة بمقاتليه الخمسة والثلاثين ألفاً المدججين بالسلاح أي هدف غير تعريض أوكرانيا لرد روسي عنيف، مما يزيد بالتالي احتمال تعرض أوكرانيا لاعتداء روسي شامل. وحتى لو نجحت أوكرانيا بطريقة من الطرق في دحر أعوان بوتين الخمسة والثلاثين ألفاً، سترغم محاولة احتلال منطقة منهارة اقتصادية لا يملك قاطنوها ولاء كبيراً لأوكرانيا والسيطرة عليها على استنفاد مواردها الشحيحة في دونباس، مما يضعف بالتالي قدرتها على مقاومة أي اعتداء روسي إضافي.

أما الجواب عن السؤال الثاني فأكثر تعقيداً. إن كانت شهية بوتين الاستعمارية كبيرة ولا يمكن إشباعها، فسيحاول التوسّع ومهاجمة أوكرانيا بغض النظر عما إذا تمسكت بهذا الإقليم أم لا، ولن يساهم التخلي عنه في تشجيعه على التوسع، كما أن السعي للاحتفاظ به لن يردعه. في المقابل إن كانت ميول بوتين الاستعمارية انتهازية وتتأثر بالتالي بحسابات الكلفة والمكاسب، يكون السؤال الأهم: هل يزيد الانفصال عن دونباس الكلفة أم المكاسب، إن قرر بوتين مواصلة اعتدائه؟

ولكن ألا يشكّل الانفصال انتهاكاً لواجب أوكرانيا الأخلاقي تجاه مواطني هذه المنطقة المضلَّلة؟ الجواب عن هذا السؤال بسيط ويشمل الإجابة عن السؤال التالي: أي واجب هو الأهم: واجبها تجاه 3 ملايين مواطن برهنوا بسلوكهم منذ عام 1991 أن ولاءهم لأوكرانيا مشكوك فيه على أقل تقدير أم تجاه ما يزيد على 40 مليون أوكراني في أوكرانيا برهنوا عن أن ولاءهم لأوكرانيا راسخ؟ في العالم المثالي يخصص صانعو السياسات لمواطن واحد المقدار عينه من الموارد كما لجميع المواطنين. ولكن في عالمنا الأقل مثالية الذي تندر فيه الموارد، على صانعي السياسات الاختيار واتخاذ الخطوات التي تعود بالخير على العدد الأكبر من المواطنين، ومن هذا المنظار يكون تحسين ظروف حياة ما يزيد على 40 مليون أوكراني وفي (بتطبيق الإصلاح، ورفع مستوى المعيشة، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان) أفضل بكثير من التضحية بالأرواح من أجل مجموعة لا ترغب على الأرجح في أن تحررها كييف في مطلق الأحوال.

* ألكسندر جي موتيل